لا يمتلك رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، واقعياً وبرلمانياً ما يمكّنه من إدارة الدولة، حتى جاء تشكيل الحكومة على وفق مساومات ووعود واتفاقات اعتبرها في ما بعد «مخالفة للدستور»، ولا يمكن تحقيقها، وفي الوقت نفسه اعتبر الدستور، الذي ساهم في كتابته، مختلاً وغير ملائم لأنه لا يعطيه الصلاحيات التي يطمح إليها، وأنه كتب أيضاً حسب توافقات اعتبرها آنيّة لينتقي ما يراه مناسباً. ويرجع سبب خلافات المالكي مع بقية الكتل السياسية، حتى تلك المتحالفة معه، إلى كثرة الوعود والتنازلات التي قدمها ولم، ولا يستطيع تنفيذها، لأنها تصطدم ما بين كتلة وأخرى وكذلك مع رؤيته كحاكم، بصلاحيات هائلة.

وعلى أرض الواقع، لا يمتلك ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه المالكي، سوى مقعدين برلمانيين أو ثلاثة في عموم مناطق شمال بغداد وغرب العراق، بينما يتقاسم مقاعد الجنوب مع معظم الكتل السياسية، أي أنه لم يحصل على أية شعبية في أكثر من نصف العراق، غير أن ضغوطاً إقليمية ودولية هي التي رجّحت كفته من خلال فرض تأييد المكونات الشيعية له مقابل وعود وتنازلات، إلى جانب تدخل المحكمة الاتحادية التي حجبت حق الكتلة الفائزة الأكبر «العراقية» بتشكيل الحكومة، وأعطته للتحالف الوطني الذي تشكّل بعد الانتخابات وأصبح أكبر كتلة هشة ومتناقضة داخل البرلمان، بضغوط خارجية لاتزال تمسك بيدها خيوط اللعبة.

ويفسر المراقبون السياسيون زيارة المالكي المفاجئة إلى إيران، التي بدأها يوم أول من امس، بأنها تأتي من شعوره بنفور الأطراف الشيعية الأخرى المتحالفة معه منه واحتمالية إسقاطه برلمانياً في حال تفاهمها، أو تفاهم بعضها، مع القائمة العراقية والتحالف الكردستاني، ما يتطلب تكثيف التدخل الإيراني لإنقاذه.

وبحسب الناطق باسم القائمة العراقية حيدر الملا، فإن زيارة نوري المالكي إلى إيران تأتي «من أجل الحصول على دعم النظام الإيراني له للضغط على شركائه السياسيين والبقاء في موقع رئاسة الوزراء»، مبيناً أن «هذه الزيارة ليست المرة الأولى التي يهرب فيها المالكي إلى إيران».

وعبرت القائمة العراقية، رسمياً، عن عدم قبولها زيارة المالكي إلى طهران إذا ما كانت على حساب المصلحة الوطنية، مبينة أن توقيتها يثير الكثير من الاستفسارات والمخاوف من «تكرار سيناريو العام 2010، الذي أدى لتدخل إيراني بتشكيل الحكومة ودعم طرف على حساب شركائه والتشجيع على فرض الديكتاتورية وإقصاء بعض المكونات».

ويرى المراقبون أن الحكومة العراقية بعد أن فقدت الجانب الكردي، الذي كان «محايداً» في الأزمات السابقة، وكسبت عداءه حالياً، لم يبق أمامها سوى استرضاء أطراف المكون الشيعي حتى لو كان ذلك من خلال الضغط الإيراني.

 

خلاف مع المالكي

ويؤكد الجانب الكردي، أنه لا خلاف له مع التحالف الوطني، وأن «هناك تحالفاً استراتيجياً بين التحالف الكردستاني وبعض الكتل الموجودة في التحالف، كالمجلس الأعلى والصدريين، وإذا كانت هناك مشاكل بين الجانبين، فهي محصورة ما بين التحالف الكردستاني وائتلاف دولة القانون تحديداً، على خلفية الأزمات التي أثيرت حول قانون النفط والغاز والمناطق المتنازع عليها والمنافذ الحدودية والبيشمركة وغيرها».

والى وقت قريب، كان موقف رئيس البرلمان أسامة النجيفي محايداً «بروتوكولياً»، إلا أنه دخل أخيراً في صلب الأزمة مباشرة لكبح محاولات الحكومة من التدخل في عمل مجلس النواب.

وأكد النجيفي أن هناك تطابقاً في رؤية «العراقية» والتحالف الكردستاني حول «ضرورة التغيير في هرم السلطة في حال لم يتبدل نهج الحكومة»، معتبراً أن العملية السياسية في وضع خانق يجب ألا يستمر، فيما أكدت القائمة العراقية دعمها لأي مرشح بديل عن رئيس الحكومة الحالي نوري المالكي، سواء كان من التيار الصدري أو من الكتل الأخرى في التحالف الوطني.

 

تشدد كردي

إلا أن الطرف الأكثر تشدداً، في الوقت الحالي هو التحالف الكردستاني، الذي يرى أن على رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني «مواصلة المواجهة حتى سقوط المالكي».

ويرى المحلل السياسي الكردي عارف قورباني، أن المسألة تستحق دخول الكرد في معركة، خاصة وأن العراق لم يصل بعد إلى مرحلة تحديد هويته الحقيقية رغم مضي تسع سنوات على سقوط النظام البعثي، فالعراق، برأيه، لم يحسم أمره بعد في ما يخص العودة إلى حكم الدكتاتورية أو تبني التعددية البرلمانية، بمعنى أنه بسقوط صدام حسين ونظامه لم تتحقق أي ضمانات في ما يتعلق بعدم عودة البلاد إلى حكم الفرد والدكتاتورية من جديد.

وأكد قورباني أن المالكي بات الآن يمشي على خطى صدام، وقد كثف من جهوده للسيطرة على المناصب المهمة في الدولة، فيما لا تزال وزارتا الدفاع والداخلية من ثلاث سنوات بلا وزير، وهما تحت السيطرة المباشرة للمالكي، في وقتٍ أحكم سيطرته على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وشبكة الإعلام العراقية، وهو يعمل بشكل مخيف على تسليح الجيش العراقي الذي جعله مرتبطاً به، وهذه إشارات واضحة على وجود عقلية فردية في الحكم.

وكشف قورباني أن مقتدى الصدر، الذي يملك أكبر مكانة بين الشيعة، سيصل خلال الأيام القليلة المقبلة إلى أربيل، كما أنه أعلن من قبل عن موقفه من هذه المعادلة وهو يقف في جبهة ضد المالكي، فيما يميل السنة بشكل عام والشارع الكردي لموقف مضاد للمالكي «لذا لا يجب التراجع في هذه المعركة قبل تنحية المالكي».

ويرى المراقبون أن المالكي يشعر بتهديدات حقيقية، وسيسعى إلى التهدئة، وإن كان ذلك من خلال أطراف إقليمية.