يقف الوضع بين الخرطوم وجوبا على حافة الحرب. وواشنطن، التي كانت مستنفرة مثل هذه الأيام العام الماضي لضمان إعلان استقلال الجنوب في موعده المقرر في أول يوليو، تتعامل مع التدهور الراهن بما لا يتناسب مع خطورة اندفاعه نحو مواجهة محتومة، إذا ما بقي على هذه الوتيرة.
وبالتأكيد ليس بقدر قريب من الإصرار الذي اعتمدته لترجمة استقلال جنوب السودان. فأميركا مطالبة بأكثر من تحرك روتيني، لأنها كانت عرّاب الانفصال الذي ساهم أصحابه أيضاً بتسهيل حصوله ونزلت بثقلها لتحقيقه في موعده المحدّد باتفاقية العام 2005، غض النظر عن بقاء قضايا أساسية من دون تسوية، تركت لوقت لاحق وهي تقف الآن وراء التفجير المفتوح على نزاع جديد من شأنه استنزاف الجانبين.
ومن المزاعم التي ساقتها واشنطن حينذاك في إطار تسويغ التقيد بالسقف الزمني، أن الاستقلال وضع حداً لحرب أهلية نتج عنها كوارث إنسانية.
وها هو شبح الاقتتال يعود من جديد إلى السودان وجنوبه من دون أن يصار إلى محاولة تطويقه بنفس الزخم الذي جرى توظيفه عشية القسمة. المواجهات العسكرية اليومية بين الجانبين، تسير باتجاه المزيد من التصعيد .
تصويت البرلمان السوداني الاثنين الماضي على مشروع قرار يطالب الإطاحة بحكومة الجنوب «المعادية» ، يؤشر إلى اقتراب منسوب الاحتقان من نقطة الانفجار الواسع.
اكتفاء بالإدانة
الخارجية الأميركية اكتفت على مدى الأيام الماضية، بالتعبير عن القلق وإدانة القتال مع دعوة الطرفين إلى وقف العمليات والعودة إلى طاولة الحوار. إدارة أزمة بصورة سلبية. تماماً كما تتعامل مع الملف الفلسطيني، وكأن الطاولة هي الحلّ السحري للصراع. يوم كانت عملية الحوار جارية حول سائر القضايا الخلافية، في أواخر 2010، استعجلت واشنطن الموافقة، بالترقيع والتلزيق. الموعد كان الأمر الأهم. بعده لكل حادث حديث. يومذاك اعترفت واشنطن بوجود مشاكل باقية بين الشمال والجنوب.
الأولوية كانت لتسجيل انجاز الاستحقاق المتفق عليه، في خانة انجازاتها. الرئيس اوباما نزل شخصياً إلى الميدان لتنفيذ الاتفاقية. عقد لقاءات في مقر الأمم المتحدة خلال افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية دورة 2010، مع عدد من الرؤساء والقيادات المعنية، للتأكيد على ضرورة حصول الاستفتاء في وقته، مطلع 2011.
كما حرص على إيفاد مبعوثين خاصين، بالإضافة إلى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور جون كاري إلى المنطقة عدة مرات، بهدف ضمان دعم الجوار والمنظمات الإقليمية لحمل الخرطوم على الالتزام بموعد الاستفتاء.
أولوية وأجندة
ولادة الدولة الجنوبية الجديدة كانت أولوية في أجندة واشنطن الخارجية. تغاضت عن ملفات أبيي وترسيم الحدود وعائدات النفط وهي أمور حساسة وجوهرية تركتها لمفاوضات لاحقة بين الطرفين، في حين أن هذه القضايا هي أساس الخلاف. هي التي أشعلت الحرب الأهلية وهي التي تسببت في الانفصال.
تركها أو بالأحرى استعجال الأمور على حسابها كان قنبلة موقوتة. انفجارها كان مسألة وقت. في هذا الوقت، بدأت تلوح مواعيده في الأسابيع الماضية وبصورة ضاغطة.
الناطق الرسمي في الخارجية قال إن الموضوع بعهدة المبعوث برنستون لايمن، الذي التقى بالقيادة الجنوبية ويعتزم الانتقال إلى الخرطوم للقاء الرئيس عمر البشير وأركان حكومته. الغاية من تحركه: «حمل الطرفين على الرجوع إلى غرفة الحوار والمباحثات».
الدعوة الأميركية إلى التفاوض في الأزمات المؤجلة، معناها في غالب الأحيان التعايش مع الوضع القائم والتفاهم على صيغة في هذا الإطار.
شراء وقت ولغاية أن تتبدل الظروف وتأتي بمعطيات جديدة قابلة لتبديل الموقف. وحتى ذلك الحين، أزمة شقي السودان بيد أصحابها. فهل يشربوا كأس الحرب مرة أخرى ؟.