أثارت مغادرة الرئيس السابق لبعثة مراقبي الأمم المتحدة إلى سوريا الميجور جنرال روبرت مود، وعودته إلى بلاده النرويج موجة من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لمثل هذه الاستقالة، خصوصاً أن الحديث في البداية من قبل المبعوث العربي الدولي إلى سوريا كوفي أنان كان عن تعيين مود رئيساً للبعثة.
وعلى الرغم من محاولات الناطقين باسم أنان التقليل من شان هذه التسريبات، بل وحتى نفيها، تبقى الأسئلة معلقة بانتظار تصريح من الضابط النرويجي الذي آثر الصمت حتى الآن.
كلمات مود
وكان مود قال في ختام مباحثاته مع السلطات السورية قبل أن يغادر إلى جنيف: إن «أكبر التحديات تتمثل في التعامل مع نظام حاكم والجيل الحالي من القيادات العسكرية في سوريا، والتي تعتقد أنه من المشروع الدفاع عن سلطاتها باستخدام القوة ضد أبناء شعبها».
هذه الكلمات على اقتضابها، تعبر بشكل أو بآخر، عن اصطدام الجنرال مود مع مفاوضيه السوريين الذين يريدون أن يكرروا تجربة المراقبين العرب التي انتهت إلى الفشل ومنحت النظام شهرين كاملين قبل أن يصل المجتمع الدولي إلى قناعة بفشل هذه التجربة.
استراتيجية النظام
فالاستراتيجية التي تعتمدها الديبلوماسية السورية في هذا الملف هي بالضبط ما عبر عنه وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمر صحافي سبق تشكيل بعثة المراقبين العرب بقيادة الجنرال مصطفى الدابي، حيث نصح تلك البعثة بتعلم السباحة لكي لا تغرق في التفاصيل التي اعدها لهم هو وفريقه في الخارجية السورية.
وبالمجمل، فإن الخارجية السورية، تسعى إلى التعامل مع أي خطة بوصفها مجموعة من الفقرات وليس سلة واحدة، وكل فقرة يتم تجزئتها إلى فقرات أصغر وتطرح حولها التساؤلات والإجراءات المحتملة، مما يفقد أي اتفاق أو قرار مضمونه، بحيث يتحول إلى مجموعة التفاصيل التي لا علاقة لها بالتفاصيل الأخرى.
انتظار التفاصيل
وكان لافتاً تصريح مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري أن بلاده تنتظر الجنرال مود ثانية للتباحث على «بروتوكولات» وتشكيلة بعثة المراقبة الدولية في سوريا، وهي إشارة عنت أن المفاوضات ستكون صعبة، وأنها لن تمر بسهولة وسوف تحاول السلطات السورية أن تصيغ البروتوكول بطريقة تسمح لها بالتحكم في عمل البعثة، وخطوط سيرها واختيارها للأماكن التي تريدها السلطة.
ويرى مؤيدو هذا الراي أن انسحاب الجنرال مود قد يكون بسبب هذه الرؤية التي اتضحت أمامه من خلال مباحثاته مع المسؤولين السوريين، وأنه آثر الصمت كي لا يثير بلبلة حول مهمة أنان، ولكي يمنحها الفرصة بمعزل عنه شخصياً.
ومع استمرار استهداف المظاهرات السلمية، تبدو فرص نجاح خطة أنان ضئيلة جداً حسب تعبير أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي قال إنها لا تتجاوز الـ3 بالمائة، والسبب في ذلك عدم التزام النظام بأي بند من بنودها ولعل أهمها بند وقف إطلاق النار وسحب الآليات العسكرية من المدن والتجمعات السكانية وإعادتها إلى ثكناتها العسكرية.
مناورة مكرورة
وبات في حكم المؤكد لدى المعارضة السورية أن قبول دمشق استقبال بعثة انان ما هو إلا مناورة مكرورة الهدف منها كسب الوقت ومحاولة التحايل على المجتمع الدولي وإيهامه بوجود رغبة رسمية في إيجاد حل سياسي للأزمة، ولكن عند الدخول في التفاصيل يختلف الأمر ويظهر الموقف الحقيقي الهادف إلى إفراغ أي خطوة جديدة على طريق الحل من مضمونها.
لعبة النظام السوري مع الوقت لا تزال ناجحة حتى الآن، ولكن التأكيدات التي تصدر من جميع الأطراف تشير إلى أنها الفرصة الأخيرة التي يطرحها المجتمع الدولي على نظام الأسد بوصفه محاوراً معترفاً به، ثم بعد ذلك، وفور إعلان الفشل ستكون هناك إجراءات أخرى، وخيارات متعددة للتعامل مع القتل اليومي الذي يمارسه النظام.