في الأشهر الستة الأولى من عمر الثورة السورية، كان الموالون للنظام في المدينة يروجون لفكرة أن المدن المنتفضة تصبح منكوبة وتفقد فيها المواد من الأسواق، وتتوقف السيارات عن الحركة لأن النظام يعاقب المناطق المعارضة بقطع الإمدادات، وهذه المقولة انتشرت في حلب وصدقها قسم كبير من السكان ضمن معادلة: «متطلبات الحياة مقابل السكوت».

لكن هذا الوضع بدأ يتغير مع حلول العام الجديد، حيث تشهد أسواق حلب ارتفاعاً جنونياً وغلاء فاحشاً في الأسعار، بعدما تخلى النظام عن مهمة تحديد سياسة ضبط الأسعار وتوكيلها إلى مجموعة من التجار الذين مارسوا الاحتكار وتلاعبوا بمبدأ المنافسة، وتجاهلوا عمداً القدرة الشرائية عند المواطن فاتسعت الفجوة بين سعر السوق وإمكانيات أصحاب الدخل المحدود والشرائح الفقيرة.

وبحسب شهادات سكان مدينة حلب فإن النظام حاول في البداية استرضاء الشارع الحلبي عبر توفير المازوت والغاز لها، وعدم التلاعب بأسعار السوق في ظل الأزمة التي كانت تجتاح عموم البلاد، لكن عندما شعر بخطورة الحراك الشعبي في حلب، حضّ التجار المؤيدين له باستباحة المدينة ومعاقبة سكانها بشكل غير مباشر من خلال رفع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية وتخفيض نسبة الديزل عنها.

 

غلاء شامل

ويقول أبوسليمان، الذي يملك متجراً في حي السليمانية وسط حلب، إن «أسعار المواد الغذائية تشهد صعوداً يومياً، وعندما نتذكر أن سعر السكر كان منذ ستة شهور بـ40 ليرة وارتفع فجأة إلى 90 ليرة في الوقت الحالي، ندرك أن التحايل الذي يجري بين التجار والمؤسسات الحكومية هو من يقف وراء ذلك، لاسيما أن المؤسسات التموينية ترسل إلينا يومياً قوائم أسعار وهمية تتناقض مع معيار سعر التجار الذين يوزعون البضاعة على محالّ الجملة والمفرق»، ويضيف: «ينطبق الغلاء على كل الأصناف من الخضار والفواكه واللحوم والبيض، فنسبة ارتفاع الأسعار تصل إلى 100 في المئة نتيجة افتقار الحكومة لخطط تحد من غلاء الأسعار وتهرب جهاز الرقابة من الإشراف على عملية مراقبتها».

 

شل التحركات

ويحمّل أحمد، وهو معيل لأسرة، الدولة مسؤولية ارتفاع الأسعار، لاسيما أن معظم المواد الغذائية والاستهلاكية هي «إنتاج محلي» ولا تتأثر بالعقوبات الخارجية وارتفاع قيمة الدولار أمام الليرة السورية. ويقول أحمد، الذي كان يعمل في إحدى معامل الأقمشة في حي الأشرفية بحلب وتم إغلاقه بسبب توقف حركة تصدير البضاعة إلى الخارج: «النظام بهذه الممارسات يمهد لإركاع أهل حلب وشل أي تحركات شاملة ضد النظام، وخاصة بعدما تزايدت وتيرة المظاهرات في معظم أحياء حلب»، ويضيف أن الارتفاع في الأسعار سبب أزمة خانقة بين السكان في ظل تسريح آلاف العمال في معامل الألبسة والخياطة والنسيج.

 

أصحاب السيارات

وحرص النظام في بداية الأحداث على إرسال المواد النفطية بكميات تتناسب مع حجم المواصلات إلى كل محطات الوقود بحلب، لكن تدهورت الحالة حيث ارتفعت الأسعار من جهة وتقلصت نسبة ضخ الكميات لدى محطات الوقود من جهة أخرى. ويشير أبوصلاح، الذي يعمل على حافلة للنقل الداخلي بين حي السكري والشعار: «نشعر يومياً بخيبة الأمل من جراء الوقوف ساعات طويلة أمام محطات الوقود من دون الحصول على الكمية المطلوبة من المازوت لتعبئة خزان الوقود»، لافتاً إلى أن «عدم تأمين المازوت والبنزين للسيارات خلق أزمة مرورية لا تطاق في معظم أحياء حلب».

ويرى مراقبون أن نزوح آلاف العائلات القادمة في كل من حمص وحماه وإدلب والمناطق الريفية بحلب، شكل تحدياً آخر لقدرة المدينة على الصمود في ظل تدهور الوضع المعيشي من الناحية الاقتصادية.

ويرى الناشط الحقوقي نجيب ددم، الذي يعيش في حي سيف الدولة، أن أسعار العقارات وبالأخص استئجار البيوت ارتفعت بشكل ملحوظ مع قدوم أهالي المناطق المنكوبة إليها فضلاً على أن ظاهرة التسول تضاعفت عشرات المرات بين الأطفال والمعوقين.

ويشير ددم العضو في هئية التنسيق الوطنية أن البطالة أيضاً بدأت تظهر بشكل واضح بين الشباب من جراء تسريح معظم العمال من المعامل والشركات الصغيرة بعدما تم إغلاقها. ويضيف أنه «حتى الطبقة التجارية المتمركزة في الغرف التجارية والصناعية التي كانت تدعم النظام مالياً بدأت تظهر عليها ملامح الضيق والسخط من الواقع بسبب تراجع أعمالها، والآن يحاولون البحث عن حلول للخروج من الأزمة».