رغم مرور عام ونيف على رحيل الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن سدة الحكم، إلا أن الجدل لم يفارق المشهد السياسي الذي طال كافة الفئات، في وقت تساءل البعض وإن كان في همس، عن مدى نجاعة الثورة في تحقيق أهدافها.
وانطلق الحارس عبدالرحمن شريف مسرعا داخل نفق عمره ثلاثة آلاف عام مزين بنقوش هيروغليفية رائعة ليوبخ مجموعة من الشبان القادمين من القاهرة. وصرخ شريف في افراد المجموعة لانتمائها الى قطاع من السكان أثار استياؤهم الثورة ضد مبارك، قائلا: «لماذا فعلتم هذا؟!.. ألقيتم بمبارك في السجن وأهنتوه؟». ولكن في حين أن الاضطرابات ربما أضرت شريف في مصدر رزقه لأنها تسببت في إحجام السياح عن زيارة مصر، فإنها ايضا سمحت له بمساحة من الحرية ما كان ليحلم بها منذ 14 شهرا.
وفي حين لم تتحقق بعد الآمال في إنهاء الفقر والفساد وما يزال المصريون يخشون العودة الى العهد القديم، فإن روحا من الجدل السياسي الذي لا يمكن كبحه فيما يبدو منتشرة في كل مكان بدءا من دور العرض السينمائي وصالونات الحلاقة وانتهاء بطوابير المتاجر الكبيرة والمطابخ في المكاتب. ومع بدء العد التنازلي لأول انتخابات رئاسية حقيقية، لا يستطيع أحد أن يتوقف عن الحديث عن السباق ولمن سيعطي صوته وكيف سيؤثر هذا على مستقبله. ولا يحتاج فتح أي حوار سياسي مجهودا كبيرا. ففي حالة شريف، كانت مجرد رؤية مجموعة من الشبان كافية.
وما إن انتهى من توبيخهم والحديث عن أن إسقاط مبارك «كان خطأ»، حتى انتقل مباشرة الى موضوع من الذي ينبغي أن يحل محله. ويقول شريف إنه لا يريد أن تسكته السلطات بعد الآن او أن يخاف مما سيظنه الآخرون.
ويردف القول إن «الوقت حان لتخوض مصر حوارا عملاقا». وازداد عدد البرامج الحوارية زيادة كبيرة منذ اندلاع الثورة لتتراجع المسلسلات الدرامية التي تشتهر بها مصر من المساحات المحجوزة لإذاعتها في الأوقات التي ترتفع فيها نسب المشاهدة، حتى البرامج التي كانت مخصصة لمناقشة أحدث الصيحات او التعليق على الأحداث الرياضية تتخللها مناقشات سياسية.
وحين بدأ مشاهد بإحدى دور السينما في القاهرة الحديث اثناء عرض الفيلم عن أحدث التطورات السياسية على موقع «تويتر»، لم يطلب مشاهدون آخرون منهم أن يصمتوا بل انضموا للحديث، وحتى اقترح أحدهم أن يتجمعوا في استراحة دار العرض، قائلا: «أحتاج لمزيد من التفاصيل، لنكمل حديثنا في الخارج». وخرج جميع الجالسين في الصف للحديث.
مرآب السيارات
وفي مرآب للسيارات وسط القاهرة، تجمع عدد من حراس الأمن حول مذياع ليستمعوا الى احدى جلسات البرلمان، وهو مشهد لم يكن متصورا في عهد مبارك حين كان مجلس الشعب يكتظ بأعضاء الحزب الوطني المنحل وكان دوره يعتبر «شكليا».
ويقول الحارس الذي اكتفى بذكر المقطع الأول من اسمه وهو عزيز : «أستيقظ يوميا لأجد شيئا جديدا، هذا مثل مشاهدة مسلسل درامي او ربما فيلم هندي، كل الأفلام الهندية مسلية، هذا فيلم ياباني دون ترجمة». وفي صالونات تصفيف الشعر التي كانت الزبونات ومصففو الشعر يتحدثون داخلها بالأساس عن العلاقات العاطفية واخبار المشاهير يناقشون الآن مستقبل البلاد والانتقال السياسي.
من جهتها، طلبت امرأة من مزينة أظافرها أن تستريح قليلا حتى تعبر الى الجانب الآخر من الغرفة لتوضح وجهة نظرها قائلة: «ماذا تقول؟ لا يستطيع الرجل أن يصبح رئيسا، انتبهوا الى تعبيرات وجهه، إنه دكتاتور، ولا يعرف كيف ينصت لأحد».