تجد حركة النهضة التونسية نفسها أمام حقيقة واضحة، وهي أنها خسرت معركة الإعلام بالدرجة الأولى، ولم تنجح في صناعة إعلام حزبي خاص بها يستطيع على الأقل الرد على الإعلام المناوىء لها.

والسبب يعود إلى أن «النهضة» حركة عقائدية تحاول أن تقدم إعلاماً يعبّر عن عقيدتها الفكرية والسياسية، دون أن تفلح في ترويجها في شارع لم يتعود طيلة أكثر من 50 عاماً على الخُطب العقائدية سواء كانت إسلامية أو يسارية أو قومية، حيث إن الحزب الحاكم في عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي كان حزبا حداثيا ووسطيا وميالا الى الليبيرالية الفكرية ويعتبر نفسه حاضنا للحداثة الثقافية و الاجتماعية.

وقد اكتفى قارىء نشرة اخبار التليفزيون الرسمي التونسي بالقول مساء الاربعاء «: لن نتطرق لما جاء على لسان وزير الداخية علي العريض خلال المؤتمر الصحافي انطلاقا من قرار المقاطعة الاعلامية للوزير الذي اقرته نقابة الصحافيين»، و هذه الكلمات رغم قصرها واقتضابها الا انها تخفي حقيقة ما يدور في الساحة التونسية بعد ثورة 14 يناير 2011، حيث التجاذبات والاستقطابات الفكرية والايديولوجية والسياسية والاعلامية اضحت تسيطر على المشهد العام، تعبيرا عن انقسام المجتمع الى اطياف وتيارات وجماعات، وعن مواجهة مفتوحة ضد حركة النهضة الحاكمة يشترك فيها الحداثيون والبورقيبيون واليساريون ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاعلام

 

تطويع الاعلام

وبحسب عدد من المحللين، فإن حكومة حركة النهضة لم تنجح في تطويع الاعلام الحكومي الذي بات مسؤولوه والعاملون فيه يصرّون على انه اعلام عام وليس حكوميا، و انه خرج والى الابد من قمقم القرارات الفوقية، في حين يرى الاسلاميون بجميع مشاربهم و من بينهم «النهضويون» ان الاعلام التونسي الحالي تسيطر عليه بقايا النظام السابق والجماعات اليسارية والنقابات، و هو ما لا يستطيع العاملون في الاعلام الرسمي نفيه

ويحسب للنظام السابق انه عمل على احتواء الاغلبية الساحقة من الكفاءات المهنية في جميع القطاعات الاعلامية بما فيها الاعلام.

ولذلك، وما ان حدث التحول التاريخي في البلاد بثورة 14 يناير، تبيّن ان استبعاد رموز الاعلام في عهد بن علي من المسؤوليات الادارية والعمل الميداني سيفتح المجال امام مجموعات من غير المهنيين وممن كانوا مهمشين قبل الثورة او من الجيل الجديد غير المدرّب الى غزو الاعلام.