أسوة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام، خلّف العقيد معمر القذافي تركة ثقيلة لدى المجتمع الليبي، سيعاني لأعوام من آثارها، إن لم تكافح بشكل سريع ومنتظم. فالملايين من قطع السلاح التي باتت بيد معظم أفراد الشعب الليبي قد تسهم في نكبته قريباً، كما ساهمت في الإطاحة بالديكتاتورية. ومع إصرار بعض المليشيات الليبية التي ساهمت في إسقاط القذافي على الإبقاء على أسلحتها، تتفاقم هواجس القلق من وقوع ما لا يحمد عقباه، مع استمرار عمليات العنف بعد «عسكرة» القبائل في سيناريو قريب يشابه المعاناة التي انتشرت في العراق عقب الإطاحة بصدام، وتشكل الميليشيات وجماعات العنف بعد استيلائها على مخازن السلاح المنتشرة في مختلف مناطق البلاد.
مخازن الأسلحة
ويلقي الانتشار الواسع والكثيف للأسلحة بمختلف أنواعها في ليبيا بظلاله على الصراع السياسي الدائر الآن في البلاد بين مختلف القوى والفصائل السياسية، خاصة أن هذه القوى لها أعضاء في مختلف الميليشيات والكتائب التابعة للثوار، وتمتلك من السلاح الكثير بمختلف الأنواع، الخفيف منها والمتوسط والثقيل، إضافة إلى سيطرتهم على معظم مخازن الأسلحة والذخيرة الموجودة والمنتشرة بطول البلاد وعرضها، والتي كانت قبل الثورة تابعة للجيش الليبي في ظل نظام القذافي.
عسكرة «القبائل»
لكن الوضع اختلف كلياً بعد الثورة، وأصبحت هناك خلافات تنشب بين الثوار بمختلف الكتائب والفصائل حول بعض المشكلات البسيطة والمعقدة. لكن سرعان ما يتطور هذا الخلاف إلى اشتباكات مسلحة، وكانت العاصمة طرابلس إحدى المناطق التي شهدت اشتباكات بين الثوار، سواء من مصراته، أو الزنتان، أو طرابلس. وعلى الرغم من مسعى الحكومة الانتقالية في ليبيا لتقنين وسحب الأسلحة فإنها تواجه، حسب ما يُنقل، صعوبات جمة، يحتم عليها مسايرة الأوضاع وبسط الهدنة إلى حين تشكيل قوات أمنية وعسكرية نظامية قادرة على بسط الاستقرار.
أسباب النزاع
وتعود أسباب النزاع بين الثوار الليبيين إلى عدة أسباب، منها التركيبة القبلية المميزة للبلاد، ووجود حساسيات قبلية تاريخية قديمة بين أبناء القبائل وبعضهم بعضاً، تعود لخلافات الثأر أو الخلاف حول قطعة أرض، أو حول النفوذ والسيطرة بعد الثورة، إضافة إلى بُعْد المناطق عن بعضها بعضاً جغرافياً، أو تصفية حسابات مع العائلات والعناصر والقيادات التي كانت محسوبة على نظام القذافي، وكانت مؤيدة له ضد الثوار طوال مسيرة الثورة. كما يساعد السلاح الموجود في يد الثوار في الوقت الحالي على تأجيج المشاعر المعادية تجاه بعضهم بعضاً.
مخزونات وذخيرة
وما زالت مخزونات الذخيرة في شرق ليبيا موجودة دون حراسة إلى حد كبير، على الرغم من وعود الحكومة الانتقالية بتأمين الترسانة الهائلة الموجودة في البلاد. وتمثل وفرة الأسلحة دون رقيب، تحدياً كبيراً على المجلس الوطني الانتقالي، بينما يسعى لفرض النظام بعد الانتفاضة التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي.
حرب العصابات
ويخشى بعض المحللين من احتمال استخدام فلول الموالين للقذافي أو أطراف أخرى غير راضية عن أداء المجلس الوطني الانتقالي للأسلحة المتاحة دون حراسة لشن حرب عصابات، ما يحبط الحكم الفعّال واستئناف إنتاج النفط في ليبيا العضو في منظمة أوبك. كما تمثل الأسلحة خطراً على الدول المجاورة لليبيا، خاصة على الحدود الجنوبية للبلاد، التي يسهل التسلل منها مع دول بها اضطرابات مثل السودان والنيجر ومالي. ومع وجود أكثر من عشرة مخابئ على الأقل دون حراسة على الإطلاق، ربما تثور تساؤلات حول مدى إصرار المجلس الوطني الانتقالي في اللحظة التي يحاول فيها المجلس الذي تتعدد فيه الفصائل على بناء نظام حكم جديد من الصفر تقريباً.
وقارنت منظمة «هيومان رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان، ومقرها نيويورك، بالوضع في ليبيا، وما حدث في العراق، حيث تم نهب مخازن السلاح التي تخلت عنها القوات الهاربة التي كانت موالية لصدام حسين بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، واستخدمها متشددون في صنع قنابل.
