تمر الذكرى 37 لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية اليوم الجمعة في خضم تحديات جمة يواجهها لبنان «القوي بضعفه»، كما يقال دائماً، وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وخاصة جارته سوريا. وإن دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لصراعات الجيران والقوى الكبرى، فإن تاريخهم يشي بتحول بلادهم ساحة لتصفية الحسابات بدءاً بصدامات الموارنة والدروز العام 1860، المتمثلة بصراع فرنسي- بريطاني وأوروبي- عثماني، مروراً بمواجهة 1958، المتجسدة بنزاعٍ سوفيتي- أميركي ويميني عربي- يساري عربي، وليس انتهاء بحرب المسلمين والمسيحيين في 1975، بأعوامها الـ15 والتي كانت الأطول والأكثر دموية وشهدت تدخل أطراف يتجاوز عددها أصابع اليدين.
هلال وضاحية
ومنذ اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في 2005 وحرب يوليو 2006 واضطرابات مايو 2008، طفى على السطح تجييش طائفي واتجاه واضح إلى تصعيد التوتر السني- الشيعي ضمن المخطط الذي كان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني حذر منه ووضعه في إطار «الهلال الشيعي»، من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا، بهدف بقاء المكونات اللبنانية تحت سيطرة جهة واحدة تفرض هيمنتها بقوة السلاح بما يفضي إلى خلق أمر واقع جديد يدفن مفهوم السلطة ويقضي على أي أثر لحقبة «رجل الدولة» من خلال إقصائه سياسياً و«حياتياً» إن اضطر الأمر.
وكانت هذه الاستراتيجية بدأت مع انطلاق الحرب الأهلية عبر إغتيال زعماء من طينة كمال جنبلاط وبشير الجميل، بالتزامن مع تسويق فكرة «الطهارة الميليشوية العقائدية» تخص اتجاهاً معيناً ومدعومة سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً ومالياً وتحتكر العمل المقاوم من خلال الإبعاد الممنهج والتدريجي لقوى اليسار العلمانية صاحبة الإيديولوجية التاريخية في محاربة إسرائيل.
وهكذا خُلق حزب الله وغُذي حتى بات دولة داخل دولة أحياناً، أو أضحت الدولة في جوفه كما في الآونة الأخيرة، مختطفاً في الآن ذاته طائفته كممثل شرعي ووحيد لها، فيما شظيت بقية الطوائف بحمل ممثليها على التكاثر. ترافق كل ذلك خلال سني الحرب الأهلية مع «إعادة تموضع» لفئات في المجتمع اللبناني، المثال الصارخ لها «الضاحية الجنوبية» مركز حزب الله ومعقل «مربعه الأمني». عرفت حملات هجرة وتهجير في الثمانينات تركزت من البقاع والجنوب فانتهت إلى التركيبة الحالية ذات الأغلبية الشيعية في غياب أركان الدولة اللبنانية الضعيفة والعاجزة عن التعامل مع تلك الحالة الفريدة.
انقسام واغتيال
واليوم، بات لبنان منقسماً أكثر من أي وقتٍ مضى بانتظار شرارة الانفجار، مع مرور عام على الثورة السورية التي قسمته إلى فسطاطين، مع الثورة وضد، حيث اصطفت كل طائفة إلى جانب من تراه حليفها العقائدي مع تمايز في موقف وليد «بيك» جنبلاط نجل «المعلم» الذي ارتأى ببوصلته السياسية المعهودة مناشدة بني جلدته عدم الانغماس في لعبة الدم التي أرادت لها دمشق وطهران وحلفاؤها في لبنان أن تفرز المجتمعين السوري واللبناني طائفياً، دون نسيان «استثناء» القاعدة المسيحية المصابة برهاب الثورات العربية.
والممثل بصوت رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية «الحكيم» سمير جعجع الذي استحضر منفذو محاولة اغتياله قبل أيام ملامح «عهد الرعب»، ما دفع بأركان «قوى 14 آذار» إلى شبه إقامة جبرية أو منفى اختياري. والحال، أن محاولات الاغتيال تلك يراد لها استهداف رمز مسيحي، وتالياً درزي، كونهما الطائفتين الأكثر تفاعلاً إيجابياً مع الثورة السورية، عبر جعجع وجنبلاط، ما يدفع إلى تشتت داخلي وصراعات جانبية داخل تلك الطائفتين تهمش حراكهما حتماً وتسوق لرموزٍ أخرى، تماماً كما حصل مع الأكراد السوريين الذين ُصفي زعيمهم السياسي الأنشط مشعل تمو بأيدٍ كردية لحساب إبراز طرف كردي آخر موالٍ للنظام.
توغلات وحدود
ويأتي كل ذلك مع عودة التوغلات السورية إلى المناطق الحدودية وتنفيذها حملات اعتقال ودهم وقصف وقتل كرسالة بأن سيناريو إعادة رسم الحدود وتوزع التجمعات الطائفية على مختلف مللها بات جاهزاً للتنفيذ حين قدوم لحظة «الانفجار الشرق أوسطي الكبير»، كما حصل إبان الحرب الأهلية اللبنانية ويحصل منذ أكثر من عام في مناطق «خط النار الزلزالي» الفاصلة بين الداخل والساحل السوريين.
والثابت، أن أحلام سوريا الكبرى ستحال إلى التقاعد لتصير أحلاماً بـ«دويلات كبرى» وجزر «ملوك طوائف» بعد أن تدخل دولتا سوريا ولبنان أتون الحرب المؤجلة منذ اتفاقية 1936 بين الزعيم السوري هاشم الأتاسي والانتداب الفرنسي التي خلقت الوضع الراهن للبلدين، فتصبح جملة «تنذكر وما تنعاد»، التي يحلو للبنانيين ترديدها حينما يأتى على ذكر الحرب الأهلية، «تنذكر ويمكن تنعاد»، لأن الأعوام الـ70 الماضية أثبتت أنه حينما تعطس دمشق تصاب بيروت بالزكام.