مع تصعيد وتيرة العمليات العسكرية التي يشنها النظام السوري ضد الثورة في كل من حمص وحماه وإدلب، يحذر المراقبون للشأن السوري من تغيير التركيبة الديموغرافية لأماكن تواجد الطائفة السنية المتمركزة تاريخياً في المناطق التي تتعرض لحملة القمع الممنهج. وما يزيد من هول هذه المخاوف هو نزوح أكثر من 300 ألف نازح نحو المناطق الداخلية ولجوء أكثر من 39 ألفا إلى الدول الجوار، فضلاً عن حالات المفقودين التي تصل إلى آلاف.

ويفسر بعض الباحثين أن ما يجري في حمص واللاذقية وسهل الغاب في حماة وبعض المناطق الشمالية الغربية في إدلب جزءاً من خطة القمع المنهجي التي يمارسها النظام منذ عام ليس فقط للقضاء على الانتفاضة في سوريا بل ضمن حملة التطهير الطائفي التي تهدف إلى تغيير التركيب السكاني في منطقة جغرافية ما من خلال تغيير نسب الطوائف المختلفة فيها تمهيداً لإقامة دولة علوية في الساحل كآخر سيناريو مطروح في ذهن نظام الرئيس بشار الأسد فيما لو فقد السيطرة الكلية على بقية المناطق.

ويتفق المعارض السوري محي الدين اللاذقاني مع هذا الطرح إذ يشير إلى أن «تركيبة النظام السوري العائلية والطائفية تشجعه على القيام بعمليات التهجير القسري بحق المناطق في حمص تمهيداً لضم المحافظة للدولة العلوية في شمال البلاد فيما لو سقطت آخر أوراق النظام».

ويضيف اللاذقاني، العضو في المجلس الوطني السوري، أن «ما يساعد النظام لاستباحة البلدات السنية وتهجير معظم السكان في حمص والمناطق السنية المنتفضة الأخرى هو عامل الوقت الذي يقدم له المجتمع الدولي عبر مبادرات سياسية وآخرها خطة كوفي أنان لتمادي النظام في تعزيز تقسيم جغرافية سورية وتحويلها إلى دويلات طائفية».

 

تأجيج الحملات

وتشير تقديرات استخباراتية أطلسية إلى أن مجموع من جرت تصفيتهم من السنّة خلال عام كامل يتجاوز أكثر من مئة ألف قتيل ومفقود في سوريا، وهذا بدوره يعزز الفرضية التي تقول إن النظام «يخوض معركة الوجود ويستخدم فيها ترسانة من الأسلحة الثقلية بذريعة ملاحقة الجماعات المسلحة».

ويقول العضو في المجلس الوطني جبر الشوفي: «تتشابك عدة حالات معاً في مسألة التطهير الطائفي، حيث يؤجج النظام حملة مذهبية حاقدة، الهدف منها الدفع بمفهوم العصابة السلفية والمؤامرة بالدرجة الأولى لكي ينتقم من الخارجين على سلطته، والغاية الأساسية هي الحفاظ على النظام وتثبيت ركائزه». ويردف الشوفي أن النظام «يلعب على المسألة الطائفية في بعض الأحياء بحمص من أجل توسيع رقعة ديموغرافية الطائفة العلوية على حساب الطائفة السنية».

 

تطهير حمص

وعند النظر إلى المعطيات الميدانية لمعرفة بوادر هذه المخاوف، فإن الدراسة التي نشرها الباحث مأمون ديرانية في الشهر الماضي تكشف بعض الحقائق، حيث لفت فيها إلى «تمييز ملامح بدائية لحملة تطهير عرقي في حمص وبعض قرى اللاذقية»؛ حيث يرى الباحث أن «الحملة الطائفية بدأت على بعض أحيائها السنّية بعد سقوط حي بابا عمرو مباشرة: واستهدفت على الفور كلا من احياء كرم الزيتون والنازحين والرفاعي والعدوية والمريجة وجب الجندلي وباب السباع وباب تدمر وباب الدريب».

 وأكد الباحث أن الحملة «تأتي من الأحياء العلوية المجاورة مثل حي الزهراء من الشمال والنزهة وعكرمة من الغرب والجنوب، وهي تشمل كل أدوات وأساليب التطهير المعروفة، بدءاً من اقتحام للمنازل وقتل للمدنيين بالسلاح الأبيض، مع التعذيب والاغتصاب والتمثيل بالموتى، إلى القصف العشوائي بالصواريخ ومدافع الهاون ومدافع الدبابات».

 

حملات اللاذقية

وتذهب الدراسة إلى أن «اللاذقية أيضاً تتعرض لحملة تشنها ميليشيات طائفية من القرى العلوية على القرى السنية المجاورة، وتتركز على قرى في جبل الأكراد، حيث تعرضت قريتا بابنّا والجنكيل السنيّتان إلى هجوم طائفي في شهر مارس الماضي نتج عنه تهجير سكانهما بالكامل وهم نحو اثنَي عشر ألف نسمة».

 

ريف حماه

كما توضح روايات الأهالي الذين فروا من بلدة قلعة المضيق التابعة لمحافظة حماه والتي يقدر عدد سكانها بـ 18 ألف نسمة، بأن «معظم السكان هربوا إلى دمشق وأريافها ولجأ جزء آخر إلى حلب وبعض القرى الآمنة المحيطة بهم نتيجة القصف المتواصل بقذائف الهاون على المنازل في البلدة».

ويقول أبودياب الذي نزح إلى حي دمّر بريف دمشق: «البلدة أصبحت فارغة من السكان، وهذا سيدفع الميليشيات القرى العلوية القريبة منها الاستيلاء على كل الخيرات والأراضي الزراعية». وبحسب السكان المحليين في حماه، فإن «معظم القرى والبلدات الموازية للمدن والبلدات العلوية تعرضت إلى تدمير هائل». ويقولون أن «المجازر الجماعية التي تذهب ضحيتها الأطفال والنساء والمسنين، جعلت كلا من كفر زيتا واللطامنة وحلفايا وطيبة الأمام بلدات شبه خالية من السكان ومرتعاً لميليشيات الأسد، ومن بقي فيها بات ملاحقاً من قبل أجهزة الاستخبارات».

 

افراغ ادلب

ولعل ما تشهده إدلب وأريافها من حركة نزوح جماعي، يعد مؤشراً حقيقياً لتغيير بنية النسيج الاجتماعي السوري بعدما ترك الآلاف من العائلات بيوتهم مدمرة خلفهم، حيث تشير الأرقام إلى أن حركة النزوح القسري من جسر الشغور وأريحا لوحدها وصلت إلى أكثر من 50 ألف شخص، فمنهم من لجأ إلى الأراضي التركية ومنهم من توجه صوب المناطق الداخلية، الأمر الذي يفسره الناشطون على أنه حرب مذهبية لتطهير تلك المناطق من الطائفة السنية ذات الأغلبية.

وتقول الناشطة في مجال حقوق الإنسان هيام جمال إن «أعمال العنف التي يتعرض لها المواطنون السوريون في محافظات بكاملها تؤثر عليهم بغض النظر من أي طائفة كانوا، ومن ثم فإن نزوحهم إلى منطقة أخرى يؤثر على النسيج الاجتماعي ويغير معها ديموغرافية الخريطة الوطنية، كما يعرقل حركة الاقتصاد الوطني عامة». وتضيف هيام وهي ناشطة في مدينة إدلب: «في الوقت الذي ندين العنف والقتل والتهجير القسري، نطالب ببقاء سوريا وطنا للجميع، رافعين قيمة الوطن فوق جميع الصغائر والأحقاد الطائفية».