انقسم أفراد العائلة السورية على أنفسهم بين مؤيد ومعارض حيال الانتفاضة السورية، وارتفعت حدة الخلافات إلى درجة الطعن بالعمالة والخيانة بين الإخوة، الأمر الذي يهدد بانهيار التماسك العائلي في بعض المناطق التي يعمل فيها عدد كبير من «الشبيحة» المنحدرين من المناطق التي يقمعون فيها التظاهرات، في حين خرجت من قلب هذه المشادات الكلامية حوادث الضرب والشتم والتخوين، فيما طالبت بعض الأصوات مؤخراً بهدر دم الأقارب وأبناء المنطقة الواحدة فيما لو تجرأ بمخالفة رأي السلطة أو واصل تأييده المطلق للنظام الأسدي الذي يقمع الاحتجاجات منذ أكثر من عام.
الأقربون أولى
وكتب أحد المدونين السوريين على صفحته في «فيسبوك»: «لو أن ابن أختي الذي يخدم في جيش النظام قام بتوجيه سلاحه ضد المنتفضين فإنني سأرديه قتيلاً على الأرض ولن أتهاون معه وذلك حسب مبدأ: الأقربون أولى بالمعروف».
ولعل هذه الحالة توضح مدى تجذر الانقسام الحاصل في المجتمع السوري جراء مواصلة النظام عمليات القمع حيال المحتجين.
ويروي أبو حسام وهو نازح هرب من حي دير بعلبة بحمص إلى دمشق أن ابن عمه كان يعمل في الاستخبارات السياسية بمدينة حمص وتورط في تسليم أكثر من 20 ناشطاً إلى الأمن من نفس الحي الذي كان يقطن فيه، وعند تحذير أفراد العائلة له التوقف عن تسليم الناشطين أجاب: «أعمل بناء على التعليمات الصادرة من الجهات العليا بالدولة ولن أخالف الأوامر مهما كانت هوية الشخص» وبناء عليه تبرأت العائلة منه واتفق أهل الحي بهدر دمه، ومنذ تلك الفترة وهو متوارٍ عن الأنظار كما يقول أبو حسام.
وفي المقابل، يجاهر أنصار النظام في المقاهي والمطاعم والمؤسسات الحكومية بتصنيف كل من يؤيد الحراك الثوري بمن فيهم أفراد عائلاتهم بـ«الخائن للوطن»، وتتضح هذه الحالة بكثرة في المناطق شبه الهادئة كالعاصمة دمشق وبعض المناطق الساحلية وحلب، لا سيما وأن معظم المناطق المنتفضة كإدلب وحماة وحمص ودرعا قد حسموا أمرهم بدعم الانتفاضة وتجاوزا مسألة خط الرجعة.
فراق عائلي
وتقول سهى وهي تقف في صف المعارضة وطالبة في كلية الهندسة المعلوماتية بدمشق إن «كل أفراد العائلة يؤيدون نظام بشار الأسد ويرون في شخصية الرئيس أنه الوحيد القادر على قيادة دفة البلد، وبناء عليه نشبت خلافات عنيفة تكاد تكون شبه يومية، وعند مصارحتي لهم بأن قوات الأمن والجيش تمارس أسلوباً وحشياً حيال المحتجين السلميين، كان ردهم لي بأنني متواطئة مع المسلحين».
وتضيف سهى وهي من الطائفة العلوية: «بعد اتهام أفراد أسرتي بأنني متأثرة بما تبثه المحطات الفضائية العميلة حسب زعمهم، لم أعد أتمالك نفسي من الإهانات اليومية التي كنت أسمعها، لذلك اتخذت قراراً بترك البيت والعيش عند بيت خالتي في ضاحية قدسيا بريف دمشق».
معارك الأقارب
لكن الأمر لم يتوقف عند المناوشات الكلامية فقط، بل تطور حدة الصراع بين المؤيد والمعارض إلى الضرب والشتم بعدما اشتدت المعارك بين قوات النظام والجيش الحر. ويروي الناشط محمد البحتري الذي يشرف على كتابة الشعارات في تظاهرات مدينة جديدة عرطوز بريف دمشق تفاصيل معركة ضارية بين أبناء الحي الواحد بالسلاح الأبيض «عندما خرجت مظاهرة مناوئة بجوار مراسم العزاء لأحد أبناء البلدة المتطوع في الأمن العسكري والذي قتل في إدلب على يد الجيش الحر، وإطلاق المتظاهرين شعارات منددة بنظام الأسد، خرج على الفور معظم أفراد عائلة القتيل بمساعدة بعض رجالات الأمن المتواجدين بالقرب من خيمة العزاء لمهاجمة المتظاهرين فنشبت معركة بين الطرفين بالأيدي والسكاكين وسقط على إثره أكثر من جريح ووصلت بعض الحالات إلى حد الموت». ويضيف البحتري الذي أصيب بضربة سكين في ذراعه: «اندهشت بأن الذي طعن ذراعي كان قريباً لي ومتواجداً في خيمة العزاء».
