رغم التصعيد الميداني العنيف عشية الانسحاب الموعود ووقف النار المفترض أن يتبعه صباح 12 الجاري، لاتزال الإدارة الأميركية تقول إنها بانتظار ما سيكون عليه التنفيذ. في الواقع هي بانتظار أن تسمع من موسكو، التي وصلها وزير الخارجية السوري وليد المعلم أمس، الكلمة الأخيرة بخصوص الالتزام بسحب القوات والآليات وسكوت المدافع.
من جهة تقول الإدارة إن الوضع على الأرض «لا يدعو إلى التفاؤل». ومن جهة أخرى تتريث «لحين السماع من أنان». وبين هذا وذاك تزايد الهمس في واشنطن بشأن احتمال وصول وفد من المجلس الوطني السوري المعارض برئاسة برهان غليون، قبل نهاية هذا الاسبوع إلى العاصمة الأميركية. كما انتعش الحديث مجدداً حول خيار «الشريط الآمن» بموازاة الحدود التركية. وثمة من يرى أن الأحداث، بعد إطلاق النار السورية عبر الحدود وسقوط ضحية من اللاجئين، باتت تسير في هذا الاتجاه «إلاّ إذا حصل ما يشبه الأعجوبة وتم التوصل إلى وقف العمليات».
التوقعات تميل في معظمها إلى نعي خطة أنان. التصعيد يؤشر في هذا الاتجاه. وكذلك التحركات على الأرض التي تقول المعلومات المتداولة بأنها اقتصرت على ما يشبه إعادة التموضع لبعض الآليات وليس عودتها إلى الثكنات.
يضاف إلى ذلك أن الأزمة فتحت صفحة جديدة ببداية انفلاش (تمدّد) احتقانها إلى الجوار التركي واللبناني، من خلال عمليتي الحدود. ودانت واشنطن هذا التمدّد، لكنها حرصت على حصره في إطاره التركي .
وعندما سئلت الناطقة الرسمية في الخارجية عما إذا كان خرق الحدود التركية يستوجب استحضار المادة الخامسة من ميثاق (الناتو) التي تنص على أن أي اعتداء على عضو في الحلف هو اعتداء على هذا الأخير، اكتفت بإحالة الموضوع إلى التشاور مع الأتراك. ويعني استبعاد التصعيد من هذا المدخل، مع ترك إمكانية توظيف مثل هذه الحادثة لاحقاً عندما يحين وقت فرض الشريط.
من هنا تحفظ بعض القراءات على النعي المبكر لوساطة أنان. ويشار في هذا الصدد إلى عدة أمور وتطورات. أولها أن وقف الاشتباك ليس المؤشر المطمئن بحدّ ذاته. الأساس هو التوصل إلى صيغة مقبولة تكون الضامن لفضّ الاشتباك.
ويبدو أن زيارة الوزير المعلم لموسكو جاءت لوضع اللمسات الأخيرة على خطوطها العريضة، على أن ينصرف المتحاورون، إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، إلى البحث في التفاصيل. ومثل هذا الصيغة لا يبدو أنها أبصرت النور بعد. وليس من المعروف حتى اللحظة، مدى حظها في النجاح. فالهوة كبيرة والتداخلات أكبر. ثانياً، ليس من غير مغزى أن يتزامن هبوط حدّة خطاب اللاعبين المؤثرين، من واشنطن إلى موسكو مروراً بطهران.
ثمة طبخة لأكثر من طبق في المنطقة. وكل الأطباق مترابطة. الإيراني منها ينتقل إلى الطاولة خلال اليومين القادمين، بعد التوافق على اسطنبول لاستضافة المفاوضات بخصوص النووي. السوري، لم ينضج بعد ولو انه فوق نار حامية، وقد ينتقل إلى سكّة الحلحلة. لكن ليس هناك من يراهن على سير القطار بعد وضعه على سكّته. قد لا يتعدّى الأمر محاولة شراء وقت، حسب ما يرى معظم المراقبين. لكن حتى لو كان الأمر بخلاف ذلك، فإن أحداً في واشنطن لا يتوقع خروج الوضع بسهولة من عنق الزجاجة. بل هناك من يرى بأن وقت التسويات قد فات. وربما أنه لم يكن ميسوراً في الأصل.