يبدو أن النتائج التي ستسفر عنها تفاعلات الوضع الراهن في سوريا ستلعب الدور الأبرز في إعادة هيكلة شبكة التحالفات الإقليمية، فبعد أن كان الأمل يداعب الكثير من الخبراء والمراقبين في استقرار الأوضاع بالمنطقة عقب انتهاء مرحلة «الربيع العربي»، عادت أجواء الصراع لتلقي بظلالها على المنطقة التي لا تكاد تعرف إلى الهدوء والاستقرار طريقاً.

وأحد العوامل التي أسهمت في إثارة المخاوف من نشوب حرب جديدة، تتمثل في التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز وما ارتبط بذلك من تداعيات على صعيد الأزمة النووية الإيرانية وتفاعلاتها ولاسيما حرب التهديدات المتبادلة التي تتصاعد تارة وتخبو تارة بين طهران وتل أبيب، ولكن أكثر ما يثير المخاوف بشأن التوتر الإقليمي يتمثل في احتمالات نشوب حرب أهلية في سوريا، بحيث يتطاير الشرر إلى خارج الحدود وتتداخل اعتبارات وعوامل مختلطة يصعب معها التنبؤ بمسارات الأحداث.

ولا شك أن فتح ملف العلاقات التركية الإيرانية يستوجب مناقشة المشهد الإقليمي برمته، ليس فقط بحكم تأثير هاتين القوتين في توجيه دفة الأحداث، في ظل غياب قوى إقليمية تقليدية أخرى مثل مصر التي انشغلت بأوضاعها الداخلية، ولكن أيضاً لأنهما تمتلكان ارتباطاً مباشراً بقضايا وأزمات تطغي على المشهد الراهن في منطقة الشرق الأوسط، فالدولتان طرفان مؤثران في إدارة الأزمة السورية، ولاعبان أساسيان في رسم سيناريو الأحداث فيها، كما أن إيران طرف في مواجهة مفتوحة ضبابية الآفاق مع المجتمع الدولي الذي يحاول جاهداً إقناع طهران بالتخلي عن طموحاتها النووية العسكرية.

ويرى كثير من الخبراء أن ما تشهده بعض دول المنطقة ضمن ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي قد يعيد فتح ملفات صراع وضغائن عرقية عقائدية في دول عدة، وتأتي الأزمة السورية في صدارة الأزمات المرشحة لفتح المجال أمام صراعات إقليمية ما لم يتم التوصل إلى حل يضمن رسو السفينة السورية إلى بر الأمان بدلاً من الانزلاق إلى صراع مسلح بين القوات النظامية الموالية لنظام الرئيس بشار الأسد والشعب السوري، فخلافاً للسمات الإقليمية لليبيا وتونس ومصر التي ساعدت في بقاء ثوراتهم داخل حدودهم.

تقع سوريا في خضم شبكة من التحالفات الاستراتيجية والمصالح السياسية والصراعات الدينية التي قد تنفجر بفعل تطور الوضع. وفي هذا الصدد يمكن التقاط تصريح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الذي أشار إلى مخاوف بلاده في هذا الإطار حين قال إن «تغيير النظام في سوريا سيؤثر على المنطقة بأسرها، وذلك لما تتمتع به سوريا من أهمية جغرافية سياسية بالنسبة لكل من فلسطين ولبنان والعراق والأردن، وسائر دول المنطقة، فلكل دولة عربية مصالح ذاتية فيما يجري».

وعلى خلفية تفاوت، وربما تناقض، المصالح والرؤى بين مختلف القوى الإقليمية والدولية حيال التعاطي مع ممارسات نظام بشار الأسد، جاء انقسام المواقف، إقليمياً ودولياً، سواء في الإطار التنظيمي الأكثر التصاقاً بالأزمة (جامعة الدول العربية)، أو في الإطار التنظيمي الدولي (الأمم المتحدة وهيئاتها وتحديداً مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة). وتمثل كل من إيران وتركيا نموذجين للصراع السياسي الدائر بشأن سوريا. وهنا يبرز السؤال: إلى أي مدى كان المناخ السياسي الإقليمي متقبلاً للدورين التركي والإيراني؟

وهنا يشار إلى أن تركيا لم تستأنف إطلالتها على محيطها العربي والإسلامي عبر بوابة السياسة فقط، بل سبق ذلك تمهيد مكثف من بوابة الفن والثقافة والتعاون الاقتصادي والصناعي، ونجح هذا التمهيد التركي للأجواء في ضمان نسبة قبول رسمي وشعبي عالية لأي أدوار سياسية فيما بعد، على عكس إيران التي باغتت المنطقة عقب قيام الثورة الإسلامية مباشرة بالحديث عن أفكار مثيرة للقلق مثل تصدير الثورة وشعارات كانت كافية لبناء مواقف عدائية تجاهها، خصوصاً أنّها لم تكتف بإطلاق الشعارات وتبني لهجة استعلائية وعدائية حيال جوارها الإقليمي العربي، بل دخلت في صراع عسكري امتد لسنوات مع العراق، كما تدخلت بشكل مباشر وغير مباشر في شؤون دول عربية عدة، ولعبت أدواراً اعتبرتها العواصم العربية تدخلات خارجية غير مرغوبة في الأمن القومي العربي.

ورغم أن كلاً من تركيا وإيران تسعيان للبحث عن مصالحهما في المحيط الإقليمي، إلا أن طبيعة الأدوار التي لعبتاها اختلفت جذرياً من حيث الآليات المتبعة، وأيضاً من حيث اختيار أهداف هذه الأدوار، إذ دخلت تركيا على خط الأزمات العربية العديدة من بوابة تكامل الأدوار والتوافق وإطفاء الحرائق ونزع فتيل الصراعات، مستندة في ذلك إلى موروث مشترك يعود إلى حقبة الخلافة التي جمعتها مع معظم دول المنطقة طيلة نحو خمسة قرون، بينما اختارت إيران الدخول عبر بوابة المواجهة والمزايدة وانتزاع أوراق ضغط توظفها لمصلحتها في الصراع مع الغرب واستخدامها على أي مائدة مفاوضات تعقد مع الغرب، بخلاف تركيا التي اختارت أن تكون جزءاً من الحلول، وليس المشكلات في المنطقة.

وثمة فوارق أخرى في الأدوار وطبيعة العلاقات مع العالم العربي أيضاً بين تركيا وإيران، حيث لعبت أنقرة ورقة القوة الناعمة التي استخدمتها جيداً في مد قنوات التواصل مع الملايين من المحيط إلى الخليج، وآثرت أن يكون لنفوذها بوابات شرعية مؤسسية، بينما اختارت طهران الدخول عبر بوابة الصراع ولعب ورقة الطائفية التي تحظى بحساسية استثنائية في منطقة طالما عانت من الصراعات الدينية والآيديولوجية ودفعت ثمنها غالياً في حقب تاريخية ماضية.

وفي مقابل قبول لما بات يعرف بـ«النموذج التركي» في السياسة ليس فقط على المستوى الإقليمي لايزال الشك يغلّف النظرة إلى السياسات الإيرانية، وهو ما أفقدها الكثير في خضم أحداث الربيع العربي.. حيث دعمت ممارسات نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد المدنيين من أبناء شعبه كما تدخلت بشكل واضح في الشؤون الداخلية في دول أخرى مثل اليمن ومملكة البحرين، كما قوبل خطابها السياسي حيال مصر ما بعد حسني مبارك بكثير من الرفض الشعبي المصري بعد أن كان التوجه العام في الفترة التي أعقبت تنحي مبارك يميل إلى فتح قنوات اتصال مع طهران.. فضلاً عن استمرار الهواجس العربية حيال الدور الذي لعبته إيران، ولا تزال، في العراق.

ويرى العديد من الخبراء أن الحديث المتواتر عن المصالح الاقتصادية والتعاون المشترك بين طهران وأنقرة لا يحول دون بروز عوامل التنافس والصراع الدائرة على أشدها بين الجانبين، وربما كانت الأزمة السورية هي الكاشفة بوضوح لهذا الصراع، إذ إن سوريا، بما لها من مكانة إقليمية، أصبحت نقطة تقاطع بارزة للمصالح الإيرانية التركية، خصوصاً أن الحالة العراقية كنقطة تجاذب بين الدولتين أيضاً لم تكن تنطوي على الدرجة ذاتها من الوضوح كنقطة صراع، كون العراق يمتلك قدراً متساوياً من عوامل الالتقاء والصراع بين أنقرة وطهران بخلاف سوريا التي لا يمكن الجمع بين مصالح الطرفين فيها، علاوة على أن معظم السجال بين تركيا وإيران يتم عن طريق الوكلاء وليس بشكل مباشر. ففي العراق أدى دعم أنقرة للقائمة العراقية إلى خلاف مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي المقرب من إيران والذي اتهم أنقرة بالتدخل في الشؤون الداخلية للعراق.

وفي هذا الصدد، يرى مسؤول سابق بالأمم المتحدة في العراق شون كين، ومؤلف تقرير العام 2011 حول المنافسة التركية الإيرانية في العراق الصادر عن معهد السلام في الولايات المتحدة، أن «وجود عراق قوي كان على مر التاريخ، بالنسبة لتركيا حصناً ضد النزعة الانفصالية الكردية ونزعة المغامرة الإيرانية. أما إيران فتنظر إلى كل هذا بشكل مختلف جداً، فوجود عراق قوي هو المنافس، وتاريخياً كان التهديد الأمني الصعب». ومع كل ذلك تبقى الحالة السورية واقعاً مختلفاً في العلاقات التركية الإيرانية، حيث أسهم تباين المصالح حيال سوريا في بروز نقاط الخلاف واندفاع الخطاب السياسي الإيراني حيال تركيا إلى مستويات لافتة وغير مسبوقة بلغت حد التهديد باستهداف منشآت الدرع الصاروخية التابعة لحلف شمال الأطلسي في تركيا رداً على أي عمل عسكري ضد إيران.

وهنا يفرض السؤال التالي نفسه على المشهد: إذا كانت تركيا تعيش مخاض حقبة صراع نفوذ مع إيران فلماذا تناوئ فكرة ضربها وترفض استخدام منشآتها العسكرية في تنفيذ هذا السيناريو، بل وتساعد بقوة في البحث عن مخرج سلمي للأزمة النووية الإيرانية؟ الجواب على هكذا تساؤل يمكن فهمه في سياق معادلات الصراع الإقليمي أيضاً، فتركيا لا تريد للقوة العسكرية الإسرائيلية مزيداً من التمدد والنفوذ الاستراتيجي الذي قد تكتسبه تلقائياً فور نجاح أي ضربة عسكرية إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، خصوصاً في ظل التوتر السائد حالياً بين إسرائيل وتركيا، كما أن ضرب إيران لا يضمن القضاء على الطموحات النووية الإيرانية، بل ربما تخرج طهران من هذا السيناريو أكثر تطرفاً وتمرداً على قواعد اللعبة الدولية.

فضلاً عن استرداد طهران لبعض التعاطف الذي كان سائداً في سنوات سابقة في الشارع العربي على خلفية وقوفها كلامياً في وجه الاعتداءات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، ودعمها لحركات المقاومة الفلسطينية، ناهيك عن أن تركيا تحاول ضمان البقاء ضمن دائرة أي حوار غربي إيراني حتى تضمن مصالحها الاستراتيجية في الإقليم في حال توصل الجانبان إلى صفقة سياسية لمعالجة أزمة البرنامج النووي، ما يفسر نسبياً طروحها المستمرة بشأن استضافة المحادثات النووية بين إيران ومجموعة 5+1.

 

انتقاد أكبر

وفي هذا الإطار، يعتقد مدير مشروع تركيا لـ«مجموعة معالجة الأزمات الدولية» في بروكسل هيو بوب أن موقف أنقرة الذي بات أكثر انتقاداً لإيران يشير إلى تعالي صوت مجموعة الصقور في أنقرة والذين يعتقدون أن إيران تتجاوز حدودها في سوريا والعراق. ولكن، هل تدفع الأزمة السورية العلاقات بين تركيا وإيران إلى دائرة المواجهة المباشرة؟ يمكن القول إن نقاط التنافس الإقليمي بين أنقرة وطهران والتي بلغت ذروتها في الأزمة السورية لم ترتق بعد إلى حد دفع الجانبين إلى صدام مباشر.

وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي التركي وأستاذ العلاقات الدولية في اسطنبول سولي أوزيل إنه «ليس لدى تركيا أي نية لمحاربة إيران، بل إنها في الواقع، ترغب في تجنب هذا بأي ثمن»، الأمر المرجح، وفقاً لأوزيل، هو أن تعود تركيا وإيران إلى نوع متطور من المناورات الدبلوماسية التي ميّزت العلاقات بين هاتين القوتين الإقليميتين المتنافستين على مدى قرون مضت.

 

صراع الأدوار

ترتبط تركيا وإيران بمزيج من المصالح المشتركة التي تتمثل في التجارة والطاقة والقضية الكردية التي يتقاسمان المخاوف بشأنها، وكان التنافس على العديد من الملفات سمة أساسية لعلاقات الجانبين لكنه ازداد مع ظهور تركيا بقوة على مسرح الأحداث الإقليمية في السنوات الأخيرة، وكان ظهورها مرتبطاً بالقيام بدور الوساطة بين سوريا وإسرائيل، حيث فرضت أنقرة نفسها لاعباً محورياً في واحد من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً وارتباكاً، بمعنى أن تركيا اختارت العودة إلى المنطقة عبر منافسة القوى التقليدية في ملفات تعتبرها ضمن نفوذها، ولكن الملاحظ أن الدور التركي احتفظ بقدر من التمايز عن الدور الإيراني إذ آثرت أنقرة تفادي الاصطدام بالدور المصري التقليدي في الملف الفلسطيني.

وفي المقابل، هناك العديد من العوامل التي تصب في سلة تراجع الدور الإيراني إقليمياً لمصلحة النفوذ التركي. ففي داخل إيران فقد النظام السياسي الثقة لدى شريحة كبيرة من مواطنيه بسبب فضائح الفساد والإخفاق في رفع مستوى حياة المواطنين رغم ارتفاع سعر النفط.. في وقت تعتمل الخلافات بحدة بين الرئيس نجاد والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي على أكثر من جبهة.

أما خارجياً، فتبدو إيران سائرة على طريق فقدان الدولة العربية الوحيدة الحليفة لها، في ظل تزايد احتمالات سقوط نظام الأسد، إضافة إلى أنها تتعرض لضغوط دولية قوية بسبب طموحاتها النووية وشكوك المجتمع الدولي في نواياها، يضاف إلى ذلك فقدان إيران دور «المُلهم» الذي كانت تطمح إليه عقب اندلاع أحداث الربيع العربي لمصلحة تركيا، وما يرتبط بذلك أيضاً من فقدان علاقات التحالف مع حركات مقاومة عربية كانت تضيف بعضاً من الرصيد الشعبي في السلة الإيرانية مثل حركة «حماس» الفلسطينية، وصعود تيارات إسلامية مناوئة للنفوذ الإيراني إقليمياً، خصوصاً التيار السلفي في مصر الذي يرفض قطعياً استئناف العلاقات بين القاهرة وطهران. والمؤكد أن موقف النظام الإيراني الداعم لممارسات بشار الأسد ضد الشعب السوري، قد وضع المسمار الأخير في نعش التعاطف العربي الإقليمي مع بعض السياسات الإيرانية التي كانت تحظى بدعم شعبي.

 

الخليج في حسابات التنافس

أما على ملف العلاقات عبر ضفّتَي الخليج العربي بين إيران ودول مجلس التعاون فتراوحت هذه العلاقة بين المد والجزر، فعلى عكس قنوات الحوار التي فتحت بين الجانبين إبان فترة حكم الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي اتسمت سنوات حكم الرئيس محمود أحمدي نجاد بالتوتر والشكوك، خصوصاً في ما يتعلق بالدور الإيراني في مملكة البحرين واليمن إلى جانب العراق، فضلاً عن المخاوف الخليجية من الآثار البيئية والاستراتيجية المتوقعة في حال امتلاك إيران برنامجاً نووياً ذا أبعاد عسكرية..

ويختلف الأمر تماماً في ما يتصل بالعلاقات التركية مع دول مجلس التعاون إذ يشترك الجانبان في العديد من الأهداف ويكادان يمتلكان أجندة مشتركة حيال قضايا المنطقة وملفاتها. وهناك من الشواهد ما يؤكد تقارب المسافات والمصالح بين تركيا ودول مجلس التعاون ويدل على أن العلاقات بين الطرفين مرشحة للدخول إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية خلال الفترة المقبلة.وفي المحصّلة، تؤكد الشواهد كافة أن العلاقات بين تركيا وإيران باتت على المحك، وبات من الصعب على الجانبين تجاوز الخلاف الحاد حول المصالح، خصوصاً في ما يتعلق بتطورات الأزمة في سوريا.

حيث بات الجانبان بالفعل على طرفي نقيض. كما يبقى من الصعب القطع بأن هذه التقاطعات في المصالح ستقود حتماً إلى مواجهة أو تدهور حاد في العلاقات التركية الإيرانية، بل إن فهم هذه العلاقات المعقدة من واقع هذه المقاربة قد يؤدي إلى سوء فهم ويفرز استنتاجات غير واقعية، فشبكة العلاقات بين الجانبين واسعة ومعقدة ولا تقتصر على سوريا، بل وفيها من المصالح بقدر ما فيها من عوامل التنافس والصراع، إذ من الصعب أن تضحي طهران بعلاقاتها مع أنقرة، لاسيما في الآونة الراهنة .

حيث يلعب موقف تركيا الرافض لضرب إيران على خلفية طموحاتها النووية دوراً يصعب التقليل منه ضمن حسابات المجتمع الدولي، علاوة على أن الصراعات الطائفية بين تركيا وإيران يمكن تأجيلها لمصلحة اعتبارات أخرى تحظى بأولوية في الوقت الراهن بالنسبة لكلا البلدين.

 

نقد لاذع

 

تلقي متابعة الخطاب السياسي التركي بشأن الأزمة السورية الضوء على ما يثيره الموقف الإيراني الداعم لنظام بشار الأسد من قلق وغضب لدى الساسة الأتراك، ففي اجتماع لحزب العدالة والتنمية عقد يوم الخامس من فبراير الماضي وجّه نائب رئيس الوزراء التركي بولنت آرينج نقداً لاذعاً للسياسة الإيرانية الداعمة للرئيس السوري بشار الأسد رغم عمليات القمع التي تقوم بها الحكومة السورية ضد المعارضة.

وهذه اللهجة التركية تمثل تحولاً كبيراً في المواقف مقارنة بعام 2009، عندما بادر الرئيس عبدالله غول ليكون من بين أوائل قادة العالم الذي هنأوا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لفوزه في الانتخابات المتنازع عليها، أو في عام 2010، عندما وضعت أنقرة علاقاتها مع واشنطن على المحك من خلال التصويت ضد فرض عقوبات اقترحها الجانب الأميركي ضد إيران في مجلس الأمن للأمم المتحدة.

هجوم إعلامي

 

لم يقتصر توتر العلاقات بين إيران وتركيا بسبب سوريا على الخطاب السياسي، بل الملاحظ أيضاً أن التغطية الإخبارية التركية للعلاقات مع إيران أصبحت أكثر حدة، إذ بدأت الصحافة التركية على نحو متزايد تنشر مقالات تلقي بظلال من الشكوك حول نوايا إيران في المنطقة وفي تركيا ذاتها، مع ورود أو تسريب بعض التقارير والأعمدة الحديثة التي تُلمح إلى أن الحرس الثوري الإيراني كان يخطط لشن هجمات داخل تركيا، وأن إيران تهرّب الأسلحة إلى سوريا عبر الأراضي التركية. تقييم

 

تشير بعض الدراسات الغربية إلى أن حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا يقوم بتقييم سياسته تجاه إيران، وربما ينأى بنفسه عن الدعم الصريح الذي قدمه سابقاً للنظام الإيراني.

تسويق «النموذج»

 

كان لافتاً للمراقبين استقبال الرئيس التركي عبدالله غول أثناء زيارته للقاهرة في مارس 2011، وهو كان أول رئيس دولة يزور مصر عقب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، في 11 فبراير 2011، أكثر من 20 شاباً وشابة من شباب الثورة المصرية.وأعلن الجانب التركي وقتذاك أن غول يقدم لجميع أطراف التحول السياسي المشورة الرصينة بدءاً من القادة العسكريين الذين يشرفون على انتقال مصر إلى ديمقراطية دستورية وحتى الرؤساء المحتملين وقيادات الحركات السياسية الرئيسية كلها فضلاً عن المثقفين والكتاب.

وقال غول للصحافيين في طريق عودته إلى أنقرة إن المصريين الذين التقى بهم عبروا عن إعجابهم بما حققه حزب العدالة والتنمية التركي، ونقل عنهم قولهم إن «تركيا نموذج لنا.. أنتم مسلمون وديمقراطيون وعلمانيون واقتصادكم تقدمي وبالتالي هذا نموذج لنا».

ونقلت وكالات الأنباء العالمية عن مساعد لغول قوله إن رئيس المجلس العسكري الحاكم في مصر المشير محمد حسين طنطاوي اختتم اجتماعه مع غول، الذي امتد لثلاث ساعات، قائلاً إن التجربة التركية «هي الأقرب لنا، وهي مثال نستطيع الاستفادة منه فعلاً».