مع اشتداد الخناق الاقتصادي على النظام السوري بعد العقوبات الدولية، تزداد وطأة تلبية متطلبات المعيشة على المواطنين السوريين وخاصة في المناطق المنتفضة بسبب اتباع النظام سياسة انتقامية تتضمن فصل الموظفين غير الموالين أو حتى أولئك الذين يتهربون من المسيرات المؤيدة، هذا إضافة إلى تسريح كبير للعمال في معظم المنشآت الاقتصادية الخاصة والعامة بسبب تراجع الإيرادات. كما أن شعبية النظام بدأت تتآكل حتى بين الموظفين الحكوميين في حلب ودمشق والذين كانوا يشكلون الكتلة البشرية لمسيرات التأييد التي تراجعت بشكل كبير مقارنة عما كان عليه الوضع في بداية الثورة.

قرارات الفصل

ويقول طارق، وهو نازح من مدينة القصير بريف حمص إلى دمشق: «اعمل حالياً في شتى الأعمال الشاقة بدمشق لسد حاجيات الأسرة، لكن المصيبة تكمن في ندرة الفرص حتى في هذا النوع من الأعمال، ولولا بعض المساعدات القادمة من أبناء الحي لتضرر أطفالنا جوعاً».

وطارق متزوج ولديه ثلاثة أطفال صغار كان يعمل مهندساً في شركة نفط تابعة للدولة في محافظة حمص، وعقب اشتداد وتيرة التظاهرات داخل حمص وقيام النظام بشن حملته الأمنية والعسكرية، تهدم منزله بقذيفة الهاون. وتزامناً مع ذلك، تعمدت الدولة إلى فصله عن العمل مع مجموعة من الموظفين.

ويردف طارق: «في الشهور الأولى، قاموا بتسريح حوالي مئة موظف باعتبارهم موظفين غير دائمين، في حين انخفضت رواتبنا من 500 دولار إلى 200 دولار، لكن بعد تحول حمص إلى عاصمة الثورة صدر قرار غير رسمي بفصل كل من يؤيد الحراك عن الوظيفة».

 

الكادر التعليمي

وبحسب معظم النازحين إلى دمشق، فإن آلاف الموظفين في المناطق المنتفضة مثل إدلب وحمص وحماه وريف حلب تركوا وظائفهم في القطاع التعليمي والزراعي والخدمي وفروا مع عائلاتهم منذ بدايات الاحتجاجات. في المقابل، تنصلت الدولة من دفع الرواتب الشهرية لدى مراجعتهم الدوائر المختصة من أماكن نزوحهم بدمشق وريفها.

وتشير ميادة التي كانت تعمل معلمة في إحدى المدارس بحي باب الدريب بحمص إلى أن «القطاع التعليمي تعطل بشكل كامل في حمص بعد أن تحولت معظم المدارس إلى ملاجئ تستقبل اللاجئين والجرحى والفارين من نيران قوات الأسد»، مضيفة أن «معظم الكادر التعليمي أصبحوا هدفاً لقذائف النظام، مما أجبرونا في نهاية المطاف النزوح نحو دمشق والبقاء من دون عمل».

وتضيف ميادة وهي متزوجة ولديها أربعة أطفال: «صدر قرار من جهات معنية بالدولة يطلب من الفارين من المناطق المنكوبة بمراجعة الدوائر المختصة لاستلام رواتبهم، ولدى مراجعتي مديرية التربية أكدوا لي بأني مفصولة عن العمل بحجة إيواء الجرحى من المسلحين داخل المدرسة بحمص».

 

تأخر الرواتب

ويرى المراقبون أن مراهنة النظام على كسب تأييد شريحة الموظفين الحكوميين داخل دمشق وحلب بدأت تهتز، لا سيما بعد تأخره في دفع الرواتب لمليون و300 ألف موظف حكومي، حيث تمتد فترة التأخير من أسبوع إلى عدة شهور، إضافة إلى توقف معظم الشركات العامة عن الإنتاج بسبب تكدس البضاعة في المستودعات وتسريح العمال والموظفين عن العمل. كما صدرت قرارات بالفصل التعسفي بسبب المشاركة في التظاهرات المناوئة للنظام، أو رفض البعض الخروج في تظاهرات تأييد للرئيس بشار الأسد. ويقول كنان، 34 عاماً، والذي كان موظفاً في مديرية الجمارك بدمشق: «بعد تهربي من الخروج في التظاهرات المؤيدة، جاء قرار فصلي من العمل بسبب مخالفة التعليمات الصادرة من القيادة العليا». وقامت الأ

جهزة الأمنية بتخيير أبو جهاد، الذي كان موظفاً في مؤسسة الإسكان العسكري بريف دمشق، بين مساعدة الأجهزة الأمنية في قمع التظاهرات أو أن يجد نفسه عاطلاً عن العمل بعد خدمة أكثر من 20 عاماً، فاختار الثاني.

وفي القطاع الخاص، تفيد معلومات صادرة من جهات غير رسمية بأنه تم فصل أكثر من 100 ألف عامل من جميع القطاعات الصناعية والمالية والتجارية والعقارية والسياحية.