حملت تطورات الأحداث في سوريا خلال الأيام الماضية الكثير من الدلالات على تغير نوعي في التكتيكات التي يتبعها الجنود المنشقون والمنضوون تحت لواء «الجيش الحر»، الذي يقاتل ضد قوات النظام.

 فبالإضافة إلى الإدراك بضرورة الانسحاب من المدن والتجمعات الكبيرة، منعاً لتكرار أخطاء بابا عمرو، انتقل مقاتلو الجيش الحر إلى اتباع أسلوب «القتل المستهدف» أو «الاستهداف الانتقائي»، الذي يركز على الكيف وليس الكم.

ويعني هذا التكتيك قطع أذرع النظام الرفيعة، العسكرية والأمنية، باستهداف أفراد بعينهم عبر عمليات خفيفة وخاطفة، ما يترك أثراً معنوياً كبيراً من جهة ويربك أجهزة الحكم ويجبره على تبديل استراتيجيته الحربية بشكلٍ اضطراري. وبرز هذا النهج بنجاعة عبر عملية «أسبوع العقداء والعمداء»، كما يسميها البعض، التي انطلقت أواخر مارس الماضي واستمرت حتى الأيام الأولى منذ شهر أبريل الجاري، وكانت حصيلتها غير مسبوقة بواقع 16 عقيداً وعميداً من الملطخة أيديهم بدماء المدنيين السوريين والمنشقين.

 

الاغتيال والقتل

والحال، أن هذا الأسلوب ليس «اغتيالاً» ولا يمكن أن يصنف تحت هذا البند من الناحية القانونية على الإطلاق. فالاغتيال هو جريمة قتل لشخص ليس بالضرورة متورطاً في عمل عدائي ضد المجتمع، ويتم إسقاطه فقط لاختلافه بالرأي مع الطرف الآخر، وهو بالضبط ما حصل ويحصل مع آلاف المتظاهرين الذين قتلوا لمجرد خروجهم إلى التظاهر في شوارع المدن السورية.

وكذلك مع نشطاء الثورة ورموزها الذين صفوا لمجرد إبدائهم آراءهم المعارضة للنظام. وعلى العكس، يأتي «القتل المستهدف» لينحي شخصاً، أو أشخاصاً، يشكلون بمفردهم، أو بمجموعهم، خطراً على سلامة الوطن والمجتمع والشعب، بل وحتى السلامين الإقليمي والدولي. كما أنه يأتي في إطار سياسة الدفاع عن النفس المشروعة والمجازة تماماً في القانون الدولي ضد الطرف المهاجم.

 

دفاعي واستباقي

ومن هنا، يشكل وضع كبار ضباط جيش النظام وفروع استخباراته، الذين يشكلون رأس حربة السلطات ضد ثورة الشعب ومؤيديها، في مرمى النيران، عملاً «دفاعياً واستباقياً» يدرأ أخطاراً أكبر من تلك التي قد تنجم عن «الاستهداف الانتقائي» من قبيل حجم ونوع الرد عليه.

 

استهداف واختراق

كما أن هذه الطريقة فعالة لجهة تحويل المعركة إلى قلب أرض «الخصم»، ما يعني تلقائياً أقل الخسائر الممكنة للطرف المهاجم وعدم تحميل «حاضنة» الجيش الحر تبعات استضافته، كما حدث في مناطق متفرقة من محافظات إدلب وريف دمشق وحمص ودرعا، فضلاً عن نقل الخوف إلى المعسكر الآخر في معاقله.

الثابت أن الجيش الحر بات ينحو أكثر فأكثر باتجاه هذا التكتيك في الآونة الأخيرة، ما يشي بحدوث اختراقات أمنية عالية المستوى داخل قلب الأجهزة الحاكمة، لأن مثل تلك العمليات تتطلب عادةً دعماً لوجستياً، وهو ما يعني أيضاً أن الجيش الحر أضحى يتحرك بحرية وانسيابية أكبر، وآخر استخباراتياً لضمان إنجاز المهمة بنجاح، خاصة أن هذا الأمر يحتاج إلى مراقبة لصيقة لتحركات «الهدف» قبل التنفيذ بفترة ليست بالقصيرة.