لا يستبعد الكثير من السياسيين العراقيين عودة البوصلة إلى الاتجاه الأكثر واقعية بتغيير التحالفات السياسية الطائفية في العراق، حيث الروابط بين التحالف الكردستاني وقائمة «العراقية» أقوى على ارض الواقع من الروابط بين الأكراد والتحالف الشيعي.
ويرى المطلعون على الشأن العراقي أن «زواج المصلحة» بين التحالفين «الوطني» و«الكردستاني» يصطدم بعقبات لا يمكن تجاوزها، في مقدمتها أسلوب التفكير العلماني لدى الأحزاب الكردستانية الذي يتقارب مع أسلوب «العراقية»، ويبتعد، بل يصطدم، مع أسلوب التفكير الديني والطائفي للتحالف الوطني، إلى جانب كون الغالبية شبه المطلقة للسنة في إقليم كردستان، التي تتقارب مع السنة من العرب ضمن «العراقية».
ويرى المراقبون أن معظم خلافات إقليم كردستان مع المركز، باستثناء المسألة النفطية، تتعلق بقضايا مناطقية، ومن الواقعي أن يتم التحدث والتفاوض والتفاهم مع المناطق المتداخلة والمتجاورة مع إقليم كردستان، وهي مناطق نفوذ «العراقية» بشكل شبه مطلق.
قوات وعسكرة
ومثلما يثير استياء العرب السنّة إرسال وتمركز قوات الجيش العراقي، وغالبيتها من الشيعة، في المحافظات السنية، فان هذا الإجراء يثير استياء الأكراد بوجود قوات عسكرية حكومية في المناطق المحاذية لهم والمتداخلة معهم. وبينما يظهر العرب السنة على خلاف مع الأكراد بشأن حدود بعض المحافظات، ويبدو الشيعة بعيدين عن هذه الخلافات، فان محاولات فرض المركزية الشديدة وعسكرة المناطق القريبة من الإقليم، تثير التوجس لدى الطرف الكردي وتدفعه إلى التقارب مع «العراقية»، وكذلك مع العرب السنة، وهو ما يفسر تأييد الأكراد لمطالب بعض المحافظات ذات الأغلبية السنية بالتحول إلى أقاليم.
منهج واتفاق
وبحسب المحلل السياسي زيد الزبيدي، فإن «أسلوب التفكير العلماني والديمقراطي يعد الركيزة الأقوى التي تربط بين العراقية والتحالف الكردستاني بعكس التحالف الوطني المدعوم من إيران، في وقت يخوض الأكراد في إيران حربا مع النظام هناك لها تأثيراتها على التوجه القومي الكردي في العراق».
ويبدو الاتفاق الأخير في نينوى بين «العراقية»، المتمثلة بقائمة «الحدباء»، والتحالف الكردستاني، متمثلا بقائمة «نينوى المتآخية»، ثمرة أولى لهذا التقارب الذي كانت بداياته نقض حكومة نوري المالكي لاتفاقات أربيل التي تشكلت بموجبها الحكومة، والتي تبدو مستعدة لنقض أية اتفاقات أخرى بحجة مخالفتها للدستور على الرغم من التوقيع عليها من قبلها.
ويؤكد الزبيدي أن «توقيع المالكي على اتفاقات اعتبرها فيما بعد مخالفة للدستور أمر توجب مقاضاته عليه لأنها هو الذي انتهك الدستور ليصبح رئيسا للوزراء، وإذا كانت الاتفاقات التي وقع عليها غير دستورية، فذلك يعني كونه رئيسا للحكومة غير دستوري».
ولا يثير الاستغراب أن تصمت الحكومة وائتلاف دولة القانون إزاء اتفاق نينوى، على الرغم من أهميته بالنسبة للعراق ولواحدة من أهم واكبر محافظاته، رغم أن هذا الاتفاق لا يعني شموله الجوانب الخلافية الأخرى ليرقى إلى مستوى الاتفاق الاستراتيجي، إلا انه اعتبر على الصعيد السياسي العراقي من أهم الخطوات في هذا الاتجاه.