ما بين مؤيد ومعارض لمقررات مؤتمر أصدقاء سوريا في اسطنبول التركية، انقسم مراقبو الشأن السوري. ففي وقت أكد البعض أن المؤتمر يشكل قفزة نوعية على مؤتمر تونس الذي انعقد أواخر فبراير الماضي، ذهب البعض الآخر إلى أن المؤتمر يشكّل إجهاضاً للثورة وتضييعاً لحقوق الأكراد.

ويرى مراقبون للشأن السوري أن «القرارات التي خلص إليها البيان الختامي، تشكل قفزة نوعية عن مؤتمر تونس، لاسيما في ما يتعلق في الاعتراف بشرعية المجلس الوطني كممثل شرعي للشعب السوري، والتأكيد على حق السوريين في الدفاع عن النفس، والذي رأى فيه البعض ضوءاً أخضر لاستخدام الأسلحة وتقديم الدعم العسكري للمعارضة، بيد أن بقية فقرات البيان الختامي كانت موضع جدال ونقاش بين أطياف المعارضة السورية والحركة الاحتجاجية على الأرض.

ولاتزال قيادة الجيش الحر وتنسيقيات الشباب الثورة، إلى جانب المجلس الوطني السوري تناشد ومنذ مدة ليست بالقصيرة بتسليح الجيش الحر وفتح ممرات إنسانية آمنة، فضلاً عن إقامة منطقة عازلة على الحدود التركية، وذلك رداً على تصعيد النظام حملته الشرسة على معظم البلدات والمناطق السورية ، منذ أكثر من شهرين بهدف وأد الثورة.

ورغم تأكيد رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون في كلمته أمام المؤتمر على ضرورة تسليح الجيش الحر وإقامة المناطق العازلة، إلا أن بنود البيان الختامي للمؤتمر خلت من هذه المطالب، إذ انحصرت في مجرد الاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل للشعب السوري، وتقديم دعم مالي للمعارضة تصل قيمته 25 مليون دولار، وطرح جدول زمني لتنفيذ مهمة المبعوث الدولي كوفي أنان والذي رأى فيه البعض تقاطعاً مع بعض أهداف المجلس الوطني السوري.

أزمة المعارضة

في موازاة ذلك، أكد أمين سر هيئة التنسيق الوطنية رجاء الناصر ، أن «المؤتمر وقع في الخطأ من الناحية الإدارية بالاعتماد على طرف معين من المعارضة واستبعاد بقية الفرقاء، ما يضع المعارضة في أزمة الانقسام بدلاً من توحيدها»، مضيفاً أن «أصدقاء سوريا ليسوا فقط الذين اجتمعوا في اسطنبول، وكان يجب على جميع الأطراف الدولية ذات الثقل وفي مقدمتها روسيا والصين المشاركة معهم في المؤتمر، لا سيما أن أي قرار دولي في الملف السوري يحتاج توافقاً دولياً في مجلس الأمن الذي يلعب كل من الصين وروسيا دوراً كبيراً فيه».

كما يشير الناصر إلى أن «بعض الأطراف سعت لفتح مقدمات في تسليح الثورة، أكثر من مساندة المبادرة السياسية المطروحة في الوقت الراهن من قبل مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان»، واصفاً الطرح بأنه «خلط للحابل بالنابل» عند جميع الأطراف الدولية الذين اتفقوا حول مساندة خطة عنان، منتقداً بشدة البند الذي يقدم الدعم المادي لبعض الأطراف المعارضة بدلاً من إرسال الأموال بشكل حقيقي وملموس للمحتاجين من الشعب السوري، معتبراً أن «هذا المال سيستخدم في جانبه السياسي، لتعزيز سطوة طرف على حساب بقية الأطراف ما سيجهد الثورة حينها».

ويمضي رجاء الناصر في القول إن «شرعية المجلس الوطني لا تصدر بقرارات دولية وخارجية، إذ تحتاج إجراءات ديمقراطية وانتخابات نزيهة»، مشيراً إلى أن ما هو مطروح يمثل «صيغة ديكتاتورية ذات مفهوم الذي يتبعه النظام السوري المستبد، الذي يفرض شرعيته بالقوة على إرادة الشعب السوري»، مضيفاً أنه «كان من المفترض اختيار المؤتمر المجلس الوطني قوة سياسية في الساحة السورية، أما أن يعلنوه ممثلاً شرعياً للشعب السوري فالأمر يعد بمثابة فرض قيادة سياسية مسبقة على الشعب، ويعتبر في الوقت ذاته إضعافاً لفرص تطبيق المفاهيم الديمقراطية».

دعم معنوي

من جهته، يؤكد رئيس المجلس الوطني الكردي أحمد سليمان أن البيان الختامي للمؤتمر «يشكل دعم معنوي للشعب السوري من ناحية شرعية مطالبه ، فضلاً على تشكيله عامل ضغط إضافي على النظام وحلفائه الدوليين لتليين مواقفهم في أروقة مجلس الأمن»، لافتاً إلى أن غياب بعض الأطراف المعارضة عن الحضور المؤتمر يمثل «نقطة ضعف كبيرة»، لا سيما أن أي قرارات عندما لا تعكس الخارطة السياسية السورية، تزيد من تفاقم الأزمة.

واعتبر سليمان تصريح برهان غليون حول حماية الحقوق الكردية يأتي من باب التسويق الإعلامي من جهة، وتخفيف الضغط على المجلس الوطني السوري من جهة أخرى، لاسيما بعد الجدل الواسع الذي نشب نتيجة انسحاب الأكراد من المؤتمر المعارضة في اسطنبول قبل أكثر من اسبوع، وتنصل البيان الختامي عن إدراج بند يخص القضية الكردية، مردفاً أن «تصريح غليون يعتبر ذر للرماد في العيون، وأن غليون قصد من وراء تصريحه إرضاء بعض الأطراف الكردية التي انسحبت من المجلس الوطني السوري ، وبث التفرقة بين الأطراف الكردية نفسها لخلق جدل حول سلبية وإيجابية ما أعلنه».

وأشار سليمان إلى أن «الاعتراف بشرعية المجلس الوطني السوري لا يمكن أن يكون واقعياً، في ظل تجاهل مطالب المكون الكردي الذي يشكل قوة رئيسة بتعداد يبلغ ثلاثة ملايين ونصف المليون، فضلاً عن تهميش الكثير من الأطياف والأقليات الأخرى، مؤكداً على أنه «طالما أن المعارضة مشتتة بفصائلها فلا يمكن تطبيق المقررات التي تمت مناقشتها في مؤتمري تونس واسطنبول ولاحقاً في المؤتمر المزمع عقده في باريس على أرض الواقع».