تصدرت الطبعات الأولى للصحف المصرية التي صدرت مع غروب شمس يوم السبت عناوين بدت متشابهة إلى حد كبير تشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تتجه إلى الابتعاد عن سباق رئاسة الجمهورية وترك حرية الاختيار مفتوحة لعناصرها لتؤيد من تشاء باستثناء المرشحين المحسوبين على النظام السابق أو العضو السابق في الجماعة عبد المنعم أبو الفتوح والذي انشق عنها ليخوض السباق نحو المنصب الأرفع في مصر. غير أن ذلك لم يدم طويلاً ففي التاسعة أي بعد حوالي ثلاث ساعات .

وقع الزلزال الذي لم يكن يتوقعه أحد، وهو إعلان الجماعة التقدم لخوض السباق، وتسمية نائب المرشد العام خيرت الشاطر مرشحا لحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة، لتنقلب خريطة الانتخابات الرئاسية ، رأسا على عقب، وتدخل مصر في مواجهة مفتوحة بين المجلس العسكري والجماعة، تعيد إلى الأذهان تجربة 1954، عندما قلب الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر الطاولة على الجماعة وأودع قادتها السجن، بعد محاولتهم اغتياله في ميدان المنشية في الإسكندرية، وتدخل العلاقة من وقتها مرحلة «الطلاق البائن» بين العسكر و«الإخوان» .

 

أوراق التوت

ورأى مراقبون أن قرار الجماعة بخوض السباق قد أسقط آخر أوراق التوت عن «الإخوان»، لاسيما بعد أن نقضوا عهدهم ووعودهم بعدم المنافسة على هذا المنصب، حتى لا تتحول البلاد إلى إمارة إسلامية، وتفقد هويتها المدنية وتطلعاتها للدولة الديمقراطية.

لكن من يتابع تصرفات «الاخوان» منذ بداية الثورة وحتى الآن، يجد أن التحول وضرب عرض الحائط بالوعود، هو خصائصهم السياسية، حيث بدأ هذا الأمر بالانتخابات البرلمانية، حيث أكدوا أنهم لن يترشحوا سوى على 30 في المئة من المقاعد، وعندما جاءت الانتخابات كان ينافسون على مئة في المئة.

وبعد هذه الانتخابات جاءت حكومة كمال الجنزوري، وعارضتها مختلف القوى في مصر، على اعتبار أنها امتداد للعهد السابق، إلا أن الجماعة ومعها تيارات الإسلام السياسي وقفت خلفها، ثم انقلبت بعد ذلك لتتصدر مشهد المطالبين برحليها.

ثم جاء الدور على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، إذ أعلنت الجماعة في البداية أن تشكيل تلك اللجنة، سيتم وفق نسبة 40 في المئة من داخل البرلمان، والـ60 في المئة من خارجه، لكن ما حدث أنه تم اعتماد نسبة 50 في المئة من الداخل و50 في المئة من الخارج، فضلاً إلى إضفاء الطابع الإسلامي على عناصرها، وتجاهل كافة مكونات المجتمع الأخرى.

وبالإعلان عن خوض الانتخابات الرئاسية، تكون الجماعة أكملت إسقاط كافة أوراق التوت التي حاولت الاحتماء وراءها، من أجل إظهار عدم طمعها في السلطة، لكن الثمن الذي ستدفعه في مقابل هذه التوحش والسيطرة على كافة مفاصل السلطة في مصر، سيكون كبيرا على أكثر من مستوى، أولها على الجماعة نفسها، إذ إن الانشقاقات ستتوالى وإن كانت بدأت مبكرا باستقالة القيادي كمال الهلباوي وانسحاب الكثير من شباب الجماعة الذي وجد نفسه في مواجهة عاصفة شعبية وسخرية منقطعة النظير.

التأثير الثاني سيكون على مستوى الوطن، حيث ستشعر جميع القوى السياسية والثورية ومعها الجيش، بأن هناك محاولة لخطف البلاد من قبل الجماعة، وبالتالي ستفرض عليهم الظروف التوحد في مواجهتها. أما التأثير الأخير، فسيكون على مستوى الإقليم الذي لن يشعر بالراحة لسيطرة التيار الإسلامي على مصر، وبالتالي ستكون البلاد معرضة لحصار على نمط «حماس» أو ايران.