لايزال سكان جنوب السودان على الحدود لم يتذوقوا بعد طعم الهدوء والسكينة بعد حرب أهلية مدمرة عاشوها عبر سنوات، ليعاود هذا الكابوس الظهور من جديد رغم انفصال شطري السودان إلى الشمال والجنوب، فقبل بضعة أيام عاش سكان بنتيو عاصمة هذه الولاية في جنوب السودان الغنية بالنفط، فجأة مجدداً مشاهد مروعة ومخيفة كانت اختفت مع نهاية الحرب المدنية الضارية بين الجيش السوداني ومتمردي جنوب السودان الذين يحكمون اليوم جنوب السودان.

في ذلك اليوم، الثلاثاء، وغداة نشوب معارك حلقت طائرة مقاتلة فوق المدينة عدة ساعات وألقت قنابلها على بعد 30 كيلومتراً من المكان. وقالت ماري نياريخال دابول: «عندما وصلت (طائرة) انطونوف كنت في المنزل.

 سمعت ازيزها وخرجت بسرعة لاختبىء فألقت قنابلها. اصابنا الرعب من ان تسقط القنابل علينا». واضافت دابول قائلة: «اصبحت أخاف ان تعود الطائرات وان تعود الحرب وتقضي على آمال الاستقرار والتنمية التي طالما حلم بها سكان جنوب السودان، تلك الدولة التي استقلت في يوليو الماضي». وتؤكد دابول الحامل انها تشعر بالاعتزاز لان ابنها التاسع سيولد في جنوب سودان حر رغم انها، على غرار العديد من بقية سكان ولاية الوحدة الحدودية، تخشى من عودة الحرب مجددا مع السودان المجاور.

 

حفر خندق

من جهتها، قالت اليزابيث نياوانا غاضبة: «كنت اظن اننا انفصلنا عن هؤلاء الناس واصبحنا امة مستقلة لكنهم يتصرفون وكأننا مازلنا بلدا واحدا»، وتنوي هذه المرأة التي تخشى عودة الحرب، حفر خندق من حول منزلها لحماية ذويها من قصف مدفعي توقعت انه آت.

وفي مستشفى بنتيو، يتحدث 23 جنديا جريحا يتلقون العلاج عن المعارك. واضطر المستشفى الصغير المكتظ الى وضع بعضهم في جناح النساء بينما نقل 40 آخرون الى مستشفى قريب في حين نقل عشرة آخرون اصيبوا بانفجار ألغام الى جوبا.

تعتيم الحقائق

وهمس جون تونغ الذي غطى جرحا في ذراعه ببساط ليحميه من الذباب المتطاير وسط الحرارة والرطوبة: «كان عدد الجرحى كبيرا حتى انني لم استطع تعدادهم».. بينما أوضح فرانسيس ماوا المصاب برصاصتين اخترقت احداهما صدره بينما جرحت الثانية بطنه ان «الحرب لا تخيفني. اذا هاجمونا سنرد عليهم وسيكون الانتصار لنا او لهم». وبين جملة واخرى ينفخ في زجاجة موصولة بكيس من البلاستيك طرح ارضا عبر انبوب لافراغ الدم من رئتيه. واضاف انه «عندما ابرم اتفاق السلام سعدنا جميعا واحتفلنا بتلك النتيجة لكن الآن اصبح سكان جنوب السودان يشكون في صدق التزامات الخرطوم».

وتصاعد التوتر منذ الانفصال بين طرفي السودان حتى باتت آخر المواجهات تعتبر الاخطر منذ استقلال جنوب السودان. ويدرك الجميع اهمية الزيارة التي سيقوم بها الى جوبا في ابريل الجاري الرئيس السوداني عمر البشير لعقد قمة مع نظيره رئيس جنوب السودان سيلفا كير ميارديت فيما قد يكون بصيص امل في تهدئة.

وكان مفاوضو البلدين وصلوا أول من امس إلى العاصمة الإثيوبية اديس ابابا لكنهم لم يبدأوا مفاوضات مباشرة رغم التزامات مسؤولي الخرطوم وجوبا بالسلام.