ما كان يصدر عن الإدارة الأميركية بالتلميح في الفترة الأخيرة، بدأت خيوطه تتبلور عشية مؤتمر «أصدقاء سوريا» في اسطنبول، ثم أخذت خطوطه تتضح أكثر بعد قبول النظام السوري بخطة المبعوث المشترك كوفي أنان. فقد توالت الإشارات في واشنطن هذا الأسبوع والتي تفيد بأن هذا المؤتمر مخصص لضبط معظم أطراف المعارضة، إذا تعذر جمعها كلها وحملها على القبول بالخطة التي قبلت بها دمشق.
فثمة توافق حصل على ما يبدو، بين اللاعبين المؤثرين، بأن اللحظة الراهنة لا تسمح بغير معالجة سياسية، بحكم معطيات الوضع وتعقيداته ومخاطره. كما يبدو من ردود أوساط أميركية مختلفة بأن موسكو لعبت الدور الأبرز في هذا الاتجاه الذي تلاقت معه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، من حيث إنه يقدم المخرج الذي يعفيها من الضغوط التي لم تفلح حتى الآن في زحزحتها عن موقفها المعروف، خاصة وأن المآخذ على المعارضة ساعدتها على الانحياز إلى هذا التوجه.
حدود النصيحة
من البداية، كانت واشنطن منقسمة، وما تزال، بشأن التعامل مع الأزمة السورية. إدارة أوباما عزفت عن التدخل بأي شكل، إلاّ من خلال العقوبات والمحاصرة الدبلوماسية للنظام. خصومها في الكونغرس وبعض دوائر صناعة الرأي، دعوا للتدخل إما المباشر وإما عبر تسليح المعارضة.
ووزارة الدفاع الأميركية نهت بلسان رئيس الأركان عن إقحام واشنطن بمغامرة عسكرية جديدة. وبالإضافة، تذرعت الإدارة بأن المزيد من السلاح يؤدي إلى المزيد من النزف والتدمير. وشدّدت كبديل على وجوب تحقيق الوحدة بين فصائل المعارضة. لكنه تشديد أجوف لأنه بقي في حدود النصيحة ولم يرافقه حتى وعد بالاعتراف بالمعارضة، على غرار ما حصل إزاء المعارضة الليبية. ثم جاء تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» حول انتهاكات بعض قوات المعارضة ليشكل المدخل إلى تصنيف هذه الأخيرة في خانة الطرف غير الجدير بالتسليح، وبالتالي التمهيد للانحياز نحو الخيار السياسي في اسطنبول.
انتقادات للمعارضة
ومن أبرز الإشارات في هذا الصدد، كان ما جاء على لسان السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد الموجود في واشنطن بعد إقفال السفارة في دمشق، الذي وجه انتقادات قوية للمعارضة «وانتهاكاتها البالغة لحقوق الإنسان، حيث مارست التعذيب والملاحقة والترهيب ضد مواطنين مدنيين» خلال إفادته الثلاثاء الماضي أمام اللجنة المختصة في مجلس النواب الأميركي. ووزارة الخارجية الأميركية بدورها، أكّدت كلام فورد، كما تعمّدت التنويه بالموقف الروسي «المتلاقي» مع واشنطن. الأصح أن الموقف الأميركي هو الذي التقى مع موسكو وليس العكس. بعد الفيتو الروسي المكرر مرتين، أخذت موسكو المبادرة.
وإدارة أوباما سلّمت بالأمر الواقع. وربما وجدت في الطرح الروسي السياسي الخيار الأنسب حالياً. وهي كثّفت التحرك عشية مؤتمر اسطنبول بهدف الترويج للقبول بالقبول السوري، على الأقل لوضعه تحت الاختبار، كما تقول مصادرها. جولة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تندرج في هذا السياق. فحسب قراءات بعض الجهات المطلعة، ذهبت إلى المنطقة لوضعها في جو الإدارة التي باتت تعتبر أن «الحل العسكري ظروفه غير مواتية الآن».
ومن ضمن الأغراض، إجراء لقاءات متوقعة مع المعارضة ولو أنه «لم تتحدّد بعد أطرافها المعنية بهذا اللقاء»، بحسب ما قالت الناطقة الرسمية لـ«البيان». لكن كلينتون تزمع، بحسب التسريبات، الاجتماع بكافة أجنحة المعارضة السورية لـ«حضّها على وحدة الصف» من أجل النهوض بمهمات اللحظة الراهنة.
لحظة السياسة
وفي غياب التسليح والتدخل، لا يبقى من هذه المهمات غير المخرج السياسي المطروح والراجحة كفته الآن لدى الإدارة. أحد كبار المعلقين في صحيفة «واشنطن بوست»، دافيد إغناتشيوس، والذي يحظى بثقة سيد البيت الأبيض والمطلع على وجهة رياح الإدارة، كتب مقالة يدعو فيها المعارضة السورية صراحة إلى ولوج الطريق السياسي، إنقاذاً للبلد من «حرب أهلية لن تجلب غير الموت والتدمير للمنطقة»، كما قال، محذراً من «تكرار غلطة العراق».
ويضيف: «هي لحظة السياسة العملية التي تقول بأن الغرب يحتاج لمساعدة روسيا لإزاحة الأسد من دون حرب أهلية. وروسيا بحاجة للقيام بدور الوسيط المسهل للعملية الانتقالية في سوريا من أجل تعزيز وضعها لاحقاً في العالم العربي». يكتسب هذا الكلام أهميته ليس فقط من حبكته التحليلية، بل أيضاً وأساساًٍ من كون أن كاتبه الموثوق يعكس التوجه الراجح داخل الإدارة .
وعزّز ذلك، أن هذه المقالة نشرت غداة طرح مشروع غير ملزم قدمه الجمهوريون في مجلس الشيخ يدعو إلى وجوب دعم المعارضة بما في ذلك تسليحها. فبدت المقالة وكأنها ردّ على محاولات دفع خصوم أوباما بالخيار العسكري، لأسباب كثيرة من ضمنها حسابات انتخابية. ومن المقرر أن يطلع أنان مجلس الأمن بعد غد الاثنين على حصيلة تحركاته بعد القبول السوري بخطته. كما يتوقع المراقبون في واشنطن أن يأتي مؤتمر اسطنبول بنتائج وازنة لصالح الخطة. لكن ليس في واشنطن من يرى بأن ذلك، وحتى في حال نجاح ترتيباته، قد يأتي بالحلّ. في أحسن الحالات، يقولون إنه ليس أكثر من تسكين.. وإلى حين.