تشير معظم التحليلات إلى أن غاية عناصر الاستخبارات من وراء عمليات النهب الواسعة التي طالت أثاث منازل وممتلكات من داخل البيوت وتكسير محال تجارية وإفراغها وحوادث السطو على المجوهرات، تندرج تحت حملة انتقامية للمطالبين بالحرية والنيل من عزيمة المعارضة. ورغم صدقية هذا التحليل في ضوء المعطيات الميدانية، فإنه لا يكشف النقاب عن المشهد بصورته متكاملة، حيث يرى البعض أن العملية تبدأ بسرقة الأحياء والمدن المنكوبة ثم تنتقل إلى نشاط تجار السوق السوداء المتحالفين مع السلطة وتصل إلى تكديس مدخرات داخل بيوت المسؤولين الذين وصل جزء كبير منهم إلى قناعة بسقوط النظام وباتوا يلجأون إلى اقتناء أكبر قدر ممكن من المال تحسباً للمستقبل. ويقول المراقبون: إن عمليات النهب تخدم مصالح السلطة السورية. فمن جهة، تطلق يد الضباط الكبار من الأمن والجيش لسرقة ما يشاءون من أجل الإبقاء على ولاءهم للسلطة. ومن جهة ثانية، توزع باقي المسروقات على الطبقة التجارية المنتفعة من السلطة والتي شملتها العقوبات الأوروبية والعربية ليقدم لهم منفذاً ربحياً جديداً مقابل نيل ضمانات بدعم النظام.
«البرامكة» و«العباسين»
ويشير أهالي دمشق إلى أن بيع الأغراض والأثاث المنزلية يجري بشكل علني على الطرقات العامة وعند المفارق الرئيسية عبر الباعة المقربين من النظام من خلال توزيع السيارات العسكرية والمدنية الموزعة في ساحتي «البرامكة» و«العباسين» بدمشق والأسواق غير النظامية المنتشرة داخل أحياء دمشق القديمة. ويقول الناشط رضوان، وهو من حي برزة البلد بدمشق: «بعض الباعة المحميين من قوات الأمن لا يملكون حياء، حيث يعلنون لبعض الزبائن المؤيدة للنظام أن هذه البضاعة منهوبة من المناطق المنتفضة»، لا سيما أنها تباع معظم المسروقات بأسعار زهيدة مقارنة مع سعر السوق المرتفع من جراء شل الحركة الاقتصادية وانهيار الليرة السورية.
وأظهرت العشرات من المقاطع المصورة محال تجارية ومنازل محطمة بعد قيام قوات الأمن باقتحامها. واستطاع أحد الناشطين قبل أشهر تصوير جنود سوريين يكسرون أقفال محال تجارية ونهب محتوياتها.
بلبلة ورعب
وتستهدف أعمال السرقة والنهب، التي تقوم بها قوات الجيش والأمن، المحال التجارية بشكل مباشر، حيث يقول أبو طارق، 48 عاماً، وهو من مدينة داريا وكان يملك متجر غذائيات كمصدر رزق أساسي لعائلته: «قوات الأمن كانت تنتظر بشكل متعمد وصول المتظاهرين إلى قلب السوق الرئيسي في البلدة، ثم كانت تباغت بإطلاق الرصاص الحي بشكل كثيف من أجل إحداث البلبلة والرعب بين السكان، وعليه، يهرب معظم أصحاب المتاجر ويتركون محالهم من الهلع والخوف، ليصبح السوق بكامله عرضة للنهب والسرقة». ويستطرد: «الأنكى من ذلك انه كانت ترافقهم شاحنات عسكرية مجهزة مسبقاً لتحميل كل المسروقات إلى بيوت كبار الضباط وجهات مجهولة أخرى». ويتابع أبو طارق: «نهبوا محتويات المحل من المواد الغذائية مثل الزيت وكميات كبيرة من السكر والرز، فضلاً عن نهب جميع مستلزمات البيوت الضرورية، وتركوا لي المتجر فارغاً من محتوياته».
سترة وحذاء
وبحسب إفادات سكان محليين في مناطق مختلفة بسوريا، فإن العمليات تصل إلى تخريب الأثاث البيوت ونهب ما يحتاجونه من الأدوات الكهربائية، فضلاً عن توزيع الألبسة والمؤن إلى قوات الأمن والجيش. ويروي عوض، الذي فر من حمص إلى دمشق، أنه بعد خروجه هو وعائلته من بيته قسراً، عاد ليطمئن على بيته بعد عدة أيام، فوجده منهوباً، حيث سارع إلى أحد حواجز الجيش قرب منزله لإبلاغهم بالأمر. واستطرد: «ما آلمني هو أن الجندي الذي كنت أتكلم معه كان مرتدياً سترتي، والعسكري الآخر الذي كان يقف عند الحاجز قرب البيت كان منتعلاً حذائي».
كاشف معادن
ويكشف حمادة، الذي نزح من الرستن مع عائلته إلى بلدة قدسيا بريف دمشق، عن تفاصيل عمليات النهب الذي يطول الذهب في الأحياء المنكوبة فيقول: إن «الجيش النظامي استخدم جهازاً كاشفاً عن معادن بحجة البحث عن أسلحة مدفونة بالمنازل وأخرجوا بذلك كل قطع الذهب التي أخفتها النساء واستولى عليها». ويروي حمادة قصة حدثت مع أحد أقاربه في مدينة حمص قائلاً: إن «الجهات الأمنية اعتقلته بتهمة المشاركة في التظاهرة وأرسلوا دورية من رجال الأمن لدهم منزله ومصادرة كل الأثاث وأخذوا الذهب من يد زوجة المعتقل». ويردف حمادة: «ثم قاموا باغتصاب الزوجة بشكل جماعي أمام أعين أفراد الأسرة».