لا أحد في العراق يمكن أن يتصور أن قمة بغداد، التي كلفت الخزينة العراقية أكثر من 1.25 مليار دولار، وكلفت العراقيين أضعاف هذا المبلغ، يمكن أن تحل جزءاً يسيراً من المشاكل المعقدة، والأوضاع المستمرة بالتردي، في شتى المجالات، والتي ذهبت المليارات الفلكية للموازنات، طوال الاعوام التسعة الماضية هدراً، من دون إيجاد حتى الحلول الجزئية لها.

ويرى المراقبون أن قمة بغداد، رغم ضعف التمثيل الرسمي العربي فيها، قد تعيد العراق إلى حاضنته العربية، وتحد نوعاً ما من النفوذ والتدخل الخارجي. إلا أن هذا الموضوع مشكوك فيه أيضا لكثرة العهود والوعود والمواثيق السابقة، داخلياً وخارجياً، والتي تم نقضها أو لم تجد لها محطّاً على ارض الواقع. وبذلك، تصبح مقررات القمة مجرد بيانات إنشائية، وهي في كل الأحوال لا تأثير يذكر لها بالنسبة للمواطن العراقي الذي أصبحت حياته الاعتيادية لا تطاق، لتراكم وتفاقم المشكلات التي يعاني منها.

ثكنة عسكرية

ويقول المحلل السياسي زيد الزبيدي: إن القمة العربية لن توفر الكهرباء للمواطنين الذين باتوا يسخرون من كثرة وعود حكومتهم والبيانات التسويفية عن مشاريع بعشرات المليارات من الدولارات لا يعرف مصيرها. ولم يزد إنتاج العراق من الطاقة الكهربائية عما كانت عليه في زمن الحصار إلا بنسبة ضئيلة جدا، يرافقها سوء في التوزيع، فينخفض التزود بالطاقة إلى أدنى المستويات.

ويضيف: «أصبحت العاصمة العراقية في الأسابيع التي سبقت القمة مجرد ثكنة عسكرية، وغادرها معظم سكانها إلى شمال وجنوب العراق، فيما يعاني الذين بقوا فيها من غلق المناطق وانقطاع الطرق وانعدام الخدمات».

عطلة إجبارية

وقال المواطن العراقي علي مصطفى، موظف، إن «الحكومة أعطتنا عطلة إجبارية، واضطررنا إلى البقاء في البيوت، ولكن أين الراحة مع انعدام الخدمات وشح المواد الغذائية؟».

ويضيف: «خضع الرئيس المصري السابق حسني مبارك للمحاكمة لأنه اتهم بقطع خدمات الهاتف النقال، وكانت هناك ثورة في مصر، فمن يا ترى يحاكم الذين أوقفوا شبكات الهاتف النقال في بغداد وهي تستقبل قمة عربية، وليست ثورة؟! مع فارق كبير، هو أن مصر لديها شبكة خطوط هاتفية أرضية، فيما تم إيقاف الخطوط الهاتفية الأرضية في العراق منذ بدء الاحتلال قبل تسعة أعوام حتى الآن»، مشيراً إلى أن «قطع الاتصالات بين الجار وجاره، أصعب بكثير من قطع الطرقات وإغلاق المناطق السكنية، لأن المواطن العراقي في هذه الحالة يعيش في عزلة تامة».أما سناء عبد الحق، معلمة، فترى أن انعقاد القمة العربية في بغداد له مدلولات سياسية ربما تكون ايجابية أو جيدة على صعيد علاقات العراق الخارجية، إلا أنها لا تعني شيئا للمواطن العراقي الذي تتفاقم معاناته يوما بعد يوم.

وتعلق سناء على وقف شبكات الهاتف، قائلة: «أي عقلية تدير هذا البلد؟ وتقطع الاتصالات الهاتفية بحجة عدم تمكين الإرهابيين من الاتصال والتنسيق فيما بينهم!»، وكأنها تتهم العراقيين جميعاً بأنهم «إرهابيون» وإذا كانت مكافحة الإرهاب تتم بقطع الاتصالات الهاتفية، فلماذا لم تمنع الحكومة استخدام الهواتف منذ زمن بعيد لوقف الإرهاب؟!».

قمة مقايضة

وتؤكد سناء أن القمة العربية عندما حذفت بند مناقشة الأوضاع في العراق، إنما ابتعدت عن جوهر ما تعانيه الشعوب العربية، وبذلك أصبحت «قمة ترضية»، أو بالأحرى «قمة مقايضة».. القبول بمناقشة الوضع في سوريا مقابل عدم التطرق لأوضاع العراق وبلدان أخرى.

تسخير وخدمات

وفي رأي الكاتب الصحافي همام عبد رضا، فإن القمة يفترض أن تتناول مشكلات الشعوب العربية وإيجاد الحلول لها، وليس إتباع طريق المجاملة، وفي كل الأحوال يمكن أن نقيس خسائر الشعب العراقي بهذه القمة، من ارتفاع الأسعار إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وتكاليف الهجرة والسكن بالانتقال من مكان إلى آخر، وتوقف الأعمال الحكومية، إلى جانب تكريس الخدمات «لخدمة القمة» وليس القمة نفسها التي يفترض أن تكون عاملا لتنمية الخدمات والانتعاش الاقتصادي والاجتماعي والتطوير السياسي.