بعد أكثر من عام على انفصال جنوب السودان عن شماله، إثر حرب أهلية استمرت أكثر من عشرين عاماً، وأوقعت حوالي مليوني قتيل، لا تزال الخلافات مستعرة بين الدولة الوليدة والسودان. وجاء التصعيد الأخير بين الطرفين والحديث عن قصف شمالي على الجنوب في المناطق المتنازع عليها، ليبدد الآمال بانفراجة قريبة بعد الإعلان عن قمة مرتقبة، ألغيت، بين الرئيس السوداني عمر حسن البشير، ورئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، كان مقرراً لها الثالث من إبريل المقبل بالعاصمة الجنوبية جوبا.
ورغم أن الانفصال فض اشتباكاً طال عقوداً، فإن الملفات العالقة خفضت سقف التوقعات، مع أن الاتفاق الإطاري الذي جرى توقيعه في الثالث عشر من مارس الجاري، والخاص بما عُرف بـ«الحريات الأربعة»، كان بمثابة إبداء لحسن النوايا، وتأسيساً لعامل الثقة المفقود بين الجانبين.
وكانت جولات التفاوض السابقة بين الخرطوم وجوبا، والتي يرعاها الاتحاد الإفريقي، فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن الملفات العالقة، وخاصة ملف النفط، بسبب تمسك كل طرف بمقترحاته، حيث تطلب الخرطوم 26 دولاراً لعبور برميل النفط الجنوبي، فيما تصرّ جوبا على عدم دفع أكثر من دولار واحد. وإلى جانب النفط، تقبع قضايا ترسيم الحدود ووضعية منطقة أبيي المتنازع حولها ومصير نحو مليون جنوبي في الشمال ضمن أبرز الملفات الشائكة.
تشظِّي الخلافات
وجاءت غارات مدينة هغليغ، التي تحيط بها آبار نفطية عديدة، والواقعة على بعد 15 كيلومتراً عن جنوب السودان، بمثابة تأكيد أن الانفصال ربما حل مشكلة لكنه خلق مشكلات إضافية يصعب وضع حد لها، خاصة في ظل الوضع الداخلي السوداني المتفاقم سياسياً، وكذلك الأمني المتدهور تدريجياً في الجنوب، وبوجود معارضات في كلا البلدين تتحين الفرص لاستغلال خلافات البشير وسلفا كير وانعكاسها تالياً على التجاذبات فيهما.
والحال، أن تشظّي الخلافات وتسعّرها، في وقت أمل الجميع أن يكون الانفصال بادرة استقرار في المنطقة، يشي بأن المخاوف من انفصال مناطق أخرى في السودان، مثل جنوب كردفان ودارفور، والاشتباكات التي تحصل فيها بين فينة وأخرى، قد تعني في نهاية المطاف أن السودان مقبل على حقبة مجهولة، خاصة مع انشغال جيرانه في قضاياهم الداخلية، ومواجهة لا مفر منها مع الجنوب الذي بدوره يعاني استحقاقات يمكن أن تشكل قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الشمال والجنوب.
ويعتمد جزء كبير من استقرار جنوب السودان على ولاء جيشه الذي جمع شتات ميليشيات سابقة، وتقول التقديرات إنه يضم 200 ألف جندي. وفي ظل الأزمة المالية التي بدأت تضرب الجنوب، فإن الحكومة تواجه تحدي تخفيض رواتب العسكر، بما قد يعنيه ذلك من استفزاز المؤسسة العسكرية في منطقة لطالما كان السلاح صوته أعلى. ويحوم معدل التضخم حالياً حول 50 في المئة، حيث من المرجّح أن يرتفع أكثر، وربما يؤجج الاضطرابات في بلد يعتمد فيه 2.7 مليون نسمة أو ثلث السكان على المعونة الغذائية. كما أن ورقة العائدين من الشمال، يمكن أن تكون سيفاً ذا حدين، إذ إن على جوبا أن توفر مساكن ووظائف للعائدين، ما يضغط على الموارد.