بدأت افرازات ثورات الربيع العربي تكشف حقيقة الخلل الاجتماعي، حيث شهدت منطقة القصر في ولاية قفصة التونسية مواجهات، في اطار سلسلة من النزاعات القبلية والعشائرية التي شهدتها بعض المناطق التونسية في مرحلة ما بعد ثورة 14 يناير، كما هو الشأن في ليبيا، حيث تستمر المواجهات في مناطق الجنوب وخاصة في مدينة سبهاو حيث سقط عشرات القتلى في الصراع القبلي بين قبيلة اولاد سليمان وقبائل التبو، الأمر الذي يثير اسئلة عديدة بشأن اهداف هذه التوترات، حيث وجدت بعض الفئات في سقوط الديكتاتوريات فرصة للانطلاق وللتعبير عن نفسها بشكل صادم لمن كانوا يعولون على وعي الشعوب وعدم انسياقها للفوضى واختراق القانون.
النعرات القبلية
ولعل الأحداث التي شهدتها ولاية قفصة على فترات متلاحقة افضل دليل على عودة النعرات القبلية، وخاصة في مناطق حوض مناجم الفوسفات، ومنها مدينة المتلوّي التي وصلت فيها المواجهات الى درجة سقوط عدد من القتلى والجرحى.
ويقول الباحث في علم الاجتماع وصاحب كتاب «القبيلة في العهد الوسيط في المغرب العربي» العروسي العامري ان «العروشية هي تنظيم اجتماعي مبني علي القرابة الدموية، ذلك أن كل الأفراد الذين يتكون منهم العرش متصلين بنسب وقرابة، وهذا ما يفسر العلاقات العاطفية القوية بينهم».
ويضيف العامري ان «ما حدث مؤخرا يعود إلى توتر العلاقات بحكم تراجع مواقع السلطة السياسية، خاصة في حياتنا اليومية، فبدأ يطفو على السطح كل المخزون القديم من نعرات وعلاقات لم تصفُ». وأردف: «بغياب الرادع السياسي القوي خاصة فـــي فتــرة الثورة، أصبح كل شجار صغير يأخذ أبعاداً دراماتيكية»
من جهته، يرى استاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية والناشط السياسي والحقوقي سالم الأبيض ان «التوزيع القبلي او العشائري في تونس بقدر ما كان جغرافياً، إلا ان أزمة الثلاثينات من الــــقرن الماضي أدت الى إعادة تشكيل هذا المشهد، حيث سعت اغلب القبائل التي كانت تفضل التنقل والترحال من منطقة الى اخرى الى الاستقرار في أماكن معينة، وإن كانت هناك أحداث أخرى غيرت من طريقة توزع القبائل عما كانت عليه من قبل».
ليبيا معقدة
واما في ليبيا، فإن المسألة اعمق بكثير واكثر تعقيدا، نظرا لطبيعة التركيبة القبلية للمجتمع الليبي وتنافس القبائل على السلطة. وبعد سقوط نظام القذافي، اصبحت ليبيا مهددة بصراعات قبلية برزت معالمها، خاصة في مواجهات الكفرة ثم في معارك سبها التي دارت بين قبائل اولاد سليمان العربية وقبائل التبو ذات الأصول الإفريقية بسبب حادثة اعتداء من قبل احد ثوار التبو على زعيم من قبيلة اولاد بوسيف. إلا ان المسألة تزداد تعقيدا بوجود قبائل ليبية مختلفة الجذور، حيث هناك القبائل الإفريقية وقبائل الطوارق والأمازيغ، الى جانب القبائل العربية.
استعجال المصالحة
واذا كانت الفترة الماضية شهدت مواجات بين عدة قبائل ورشفانة والزاوية، و بين الزنتان والمشاشية، وبين التبو وأولاد سليمان، وبين النوايل زوارة، فإن اهم ما يمكن الوقوف عنده في الملف الليبي هو ان لا حرب ولا سلام بدون القبائل الكبرى، الأمر الذي سيسبب آجلا او عاجلا في مواجهات لن يمنعها إلا العمل على انجاز مصالحة وطنية حقيقية.