يجري التعامل الأميركي الآن مع الملف السوري وفق المعادلة التالية : النظام السوري يستعصي إسقاطه من الداخل. لكنه غير قادر على الحكم كما كان. المعارضة ولو مشتتة قادرة على الاستمرار. لكنها عاجزة عن إزاحة النظام. التدخل الخارجي، الأميركي الأوروبي، معدومة شهيته حتى اللحظة. والقرار الدولي مقفل بابه وحتى إشعار آخر.

في ضوء ذلك انخفض سقف المشاريع المتعلقة بالأزمة. استبدل مشروع الجامعة العربية بخطة أنان. من المطالبة بعملية انتقالية لرحيل النظام، إلى الاكتفاء بمطلب وقف إطلاق النار لتمرير مساعدات إنسانية ونشر مراقبين دوليين، على أمل أن يعقب ذلك نقل الأزمة من الشارع إلى الطاولة. مهمة يدور بها المبعوث الدولي - العربي على العواصم المعنية لتسويقها.

 

زيّ وساطة

مهمة أنان في حقيقتها إدارة أزمة بزيّ وساطة. تتعاطى مع الآليات ولا تطول الجوهر. وحتى بهذه الحدود لا يرى أكثر المتفائلين في واشنطن غير «حظ ضئيل لنجاح المبعوث». الإدارة الأميركية دعمت المهمة لأنها لا تملك البديل، من دون المراهنة عليها.

 تدعو إلى التريث، ريثما ينهي أنان «جولته الطويلة ومباحثاته مع السوريين بالجوانب التقنية وبعدها يقدم تقريره»، على ما قالت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية فكتوريا نولاند. كلام سبق ونطقت بمثله أثناء زيارة المبعوث الأولى إلى سوريا والتي لم يمنع فشلها من إعادة تلميع المهمة وتجديد الدعم لها. مع أن المعطيات والظروف ما زالت على حالها. الجديد الوحيد، كان في قرار مجلس الأمن غير الملزم والذي لا يؤخر ولا يقدم. خاصة وأن الليونة التي بدت في كلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عاد ومسحها التشدد في كلام الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف.

 

إشارات متضاربة

وبموازاة إبرازها لوساطة كوفي أنان، باعتبارها الورقة الوحيدة حالياً على الطاولة؛ واصلت الإدارة الأميركية إعطاء الإشارات المتضاربة. مساعد وزيرة الخارجية، جيفري فيلتمان يقول ان المعارضة «تقوم بالدفاع عن النفس» وذلك في معرض الحديث عن التسليح والعنف. في حين كرّرت الناطقة الرسمية التذكير بموقف الإدارة المعروف الرافض للتسليح. ضبابية محسوبة تحمل رسائل بأكثر من اتجاه.

لكن من غير التزام. وهي تعكس الانكفاء عن الجانب السياسي للأزمة والاكتفاء بالتركيز على جانبها الإنساني. كلام وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو كان الأبلغ بهذا المعنى عندما تحدث عن الحاجة لوضع «خطة عمل لمواجهة المأساة الانسانية» في سوريا. واللافت في كلامه أنه جاء عشية «مؤتمر أصدقاء سوريا» في اسطنبول، أول أبريل المقبل والمقرر أن تشارك وزيرة الخارجية كلينتون في أعماله. وكأنه حدّد سلفاً سقف البند الرئيسي على جدول أعمال المؤتمر.

وفيما تتقلص الخيارات بحكم القيود والتداخلات الإقليمية والدولية المعروفة كما بحكم موازين الواقع الميداني على الأرض، يتواصل حديث بعض الأوساط عن سيناريوهات خطيرة؛ من باب أن الأزمة تغوص أكثر فأكثر في طريق اللاعودة. وربما نحو «انهيار الدولة» كما يقول الباحث دانيال بايمن الذي يدعو واشنطن إلى «التحسب لمثل هذا الاحتمال من الآن كي يكون بالإمكان منع حصوله لاحقاً». وليست هذه المرة الأولى التي تتردد فيها سيناريوهات من هذا النوع أو ما شابه كالحرب الأهلية ومخاطرها على سوريا والمنطقة.

 

متنفس مؤقت

في ضوء المطروح والميسور وجنوح الأطراف المعنية نحو التوصل إلى متنفس ولو مؤقت، ليس من المستبعد العثور على صيغة لفضّ الاشتباك والانتقال إلى التفاوض السياسي باعتبار أنه ليس هناك خيار آخر متاح في الوقت الراهن. على الأقل بحكم ضغط العامل الإنساني. لكن ليس من بين المتابعين من يتوقع أكثر من الوصول إلى عملية وقف نار محكومة بانهيارات متقطعة تفصل بينها جولات تفاوض قصيرة فقط لتسجيل المواقف. هذا إذا جلسوا حول الطاولة. صيغة تتقاطع عندها حسابات الأطراف اللاعبة وحتى إشعار آخر.