تسلّطت الأضواء في واشنطن، خلال اليومين الأخيرين، على ثلاثة جوانب خاصة بالأزمة السورية: عنف بعض قوى المعارضة، الموقف الروسي الملفت بنقده لدمشق ومتابعة مهمة المبعوث الأممي- العربي كوفي أنان.
الأول، سيرته جديدة في المداولات الأميركية المتعلقة بالحالة السورية. تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الذي أشار بإصبع الاتهام إلى جماعات مسلحة تمارس التعذيب والتنكيل ضد عناصر عسكرية ومدنية سورية، حظى بالاهتمام في واشنطن. بعض الصحف أفردت افتتاحيات لإدانة هذه الخروقات. أوساط أخرى في مراكز صناعة الراي، توقفت عنده كعامل آخر يدفع بالوضع نحو هاوية الصراع الأهلي.
لاسيما وان تقرير المنظمة أوحى بوجود طابع طائفي لعمليات ثأرية على الجانبين. منذ فترة والتلميحات تتوالى حول هذا المنحى الذي تتخذه المواجهة. دخول منظمات حقوق الإنسان على الخط، عزّز مثل هذا الاعتقاد. كما أن الحديث الناقد لقوى المعارضة وانقساماتها وضياع بوصلتها بالتلميح الرسمي أو بالتصريح في وسائل الإعلام وأوساط المحللين، صبّ في هذا المجرى. وبذلك تحوّل التركيز السلبي فجأة نحو المعارضة ولأول مرة.
خطاب ناعم
اللافت أكثر، خطاب الإدارة الناعم عن الموقف الروسي. قبل اسبوع كانت لغته اتهامية وعنيفة. الآن يأخذ طابع الترحيب الضمني. «نواصل الحوار مع موسكو حول الوضع السوري ومواقفنا تتلاقى»، على ما قالت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية الأميركية فكتوريا نولاند في جوابها على سؤال «البيان». وقد ربط المراقبون بين ليونة التصريحات الأميركية وبين «قوة» ملاحظات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تجاه دمشق، التي خصها بانتقادات غير مألوفة مرتين هذا الأسبوع. ولو أن ثمة من رأى أن نبرة الكلام الروسي تجاه سوريا «تنفيسي حتى الآن لاسيما وأن موسكو تواصل تزويد النظام السوري بالسلاح كما تواصل منع صدور قرار عن مجلس الأمن».
مع ذلك، اختارت الإدارة الأميركية التنويه بالإشارات الروسية «ربما اعترافاً منها بأن موسكو تتحكم بالموقف في الوقت الراهن وهي ليست في وارد النزول إلى ساحة هذه الأزمة بشكل او بآخر على الأقل في الموسم الانتخابي»، بحسب قراءة أحد خبراء المنطقة. ومن ناحية أخرى، تتواصل دعوات وضغوط القوى المحافظة في الكونغرس خاصة في مجلس الشيوخ باتجاه حمل الإدارة على الخروج عن عزوفها والانتقال إلى المبادرة العملية ضد سوريا. لكن مثل هذا التوجه لا يلقى له صدى خارج بيئة هذه القوى.
مهمة وورقة
وتبقى مهمة أنان الورقة التي تبدي واشنطن حماسها لها. ليس لأنه مأمول منها التوصل إلى حلّ سياسي. بل لشراء الوقت واجتناب الظهور باللامبالاة. قصارى ما يمكن أن تؤدي إليه، دخول مراقبين دوليين، يبدو أن دمشق لا تعارضه لحساباتها. وواكب تلميع هذه المهمة، حديث عن «عملية انتقالية سياسية» واحتمال وقف معين لإطلاق النار. وعندما سئل المسؤولون عن مدى جدّية مثل هذه الاحتمالات والتلميحات الرسمية، جاء الرد بما يفيد أنه ليس في الأمر أكثر من فقاقيع. بأحسن أحوالها تمنيات لما يمكن أن تؤول إليه وساطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة.
خطوط الرجعة
وسط الالتباس والتحذير، هناك امر واحد يجمع عليه المتابعون في واشنطن لهذه الأزمة وهو أن الصراع في سوريا قطع أطرافه خطوط الرجعة ودخل في دهاليز مواجهة مريرة ومديدة في ظل تغييب وغياب دوليين، باستثناء ورقة العقوبات المؤذية ولكن ليس بالضرورة الحاسمة. المخرج السريع الذي ترددت سيرته مؤخراً داخلي ويتراوح بين احتمال انقلاب عسكري أو حصول انشقاق وازن في صفوف الجيش. لكن عدداً كبيراً من العارفين بالوضع السوري يستبعدون الاحتمالين، من باب أن القوات المسلحة أثبتت تماسكها وأن مفاتيحها «بات مصيرها مرتبطا بمصير الرئيس الأسد ونظامه».