شبه جزيرة سيناء هي الصداع القديم والمتجدد في رأس الأنظمة الحكومية المصرية المتعاقبة. وعبّرت عن حالة الفوضى الأمنية بقوة خلال المرحلة الأخيرة بعد عمليات الخطف المتكررة التي تعرّض لها عدد من السائحين، بالإضافة إلى أنبوب الغاز دائم التفجير في المنطقة الجنوبية. وهناك في تلك المنطقة النائية أناس جمعتهم عادات واحدة، تقاليد متشابهة، يشعرون دومًا بالتهميش، والتمييز ضدهم، ففي تلك المنطقة التي يبلغ عدد سكانها نحو 380 الف نسمة استشرت الأعمال التخريبية، والإرهابية أيضًا، خاصة أنها منطقة قابعة بالقرب من الحدود مع المحتل الإسرائيلي، يظن أهلها دائمًا أنهم منفصلون عن حدود مصر.

ويعيش نحو 314 الف نسمة في شمال سيناء، فيما يعيش 70 الف نسمة في جنوب سيناء. ويسكن بسيناء 60 في المئة من البدو و40 في المئة من أبناء الوادي بعد أن انتقلت أعداد كبيرة من المصريين من وادي النيل والدلتا إلى المنطقة للعمل في مجال السياحة.

 

علاقات بالقاعدة

وشهدت الفترة الأخيرة تجاوزات متعددة قام بها أهل سيناء من البدو، آخرها خطف سائحتين برازيليتين، وقبلها أحداث حصار معسكر قوات حفظ السلام متعددة الجنسيات في شبه الجزيرة، منهم 800 ضابط وجندي أميركي، وهو الحدث الذي تم على خلفية مطالبهم بضرورة الإفراج عن المعتقلين بتهمة تفجيرات طابا العام 2004. وتم فض الحصار وتأجيله إلى 14 إبريل المقبل؛ انتظارًا لما ستقوم به الحكومة، وفيما إذا كانت ستستجيب لمطالبهم أم لا.

وجعلت كل هذه الأمور صحيفة «وورلد تربيون» الأميركية تقول إن عشرات من أهل البدو تربطهم علاقة مع تنظيم القاعدة، ويقومون بتنظيم عمليات إرهابية ضد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهي الاتهامات التي رفضها عضو مجلس الشعب المعين عن سيناء عبدالله جهامة، موضحًا أن الصورة الذهنية المشاعة عن أهل سيناء «أسهم النظام السابق، برئاسة حسني مبارك، ووزير داخليته حبيب العادلي في إظهارها وتعميقها لدى الشارع المصري، وخاصة أنهم حاولوا أن يقنعوا الشعب بأن أهل سيناء لا يتعاملون سوى بالسلاح؛ لتتحول المنطقة إلى ساحة حرب مليئة بالبلطجة وأعمال العنف والإرهاب». ونفى جهامة في الوقت ذاته أي حديث عن فكرة انقسامهم أو شعورهم بأنهم دولة داخل دولة.

 

أنبوب الغاز

والمتابع للشأن المصري خلال الأشهر الأخيرة، يجد أن بدو سيناء نجحوا بشكل كبير في إحراج المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يدير شؤون مصر خلال الفترة الماضية، بعدما عجز عن تأمين خط توصيل الغاز لإسرائيل والأردن، والذي تعرّض لعدة تفجيرات متتالية، بلغت نحو 12 تفجيرًا، خاصة أن أهل سيناء لديهم منعة وبأس شديد ويرأبون بأنفسهم دومًا عن السقوط في المخاطر. ودفع هذا الأمر معهد «كارنيغي» الأميركي للسلام الدولي للتحذير من عنف أهل سيناء، الذين تحدّوا السلطة الحاكمة بصورة قوية فيما يخص مسألة الأمن.

وأشار المعهد إلى أن البدو منذ ثمانينات القرن الماضي يقومون باتخاذ إجراءات وردود فعل عنيفة إزاء الدولة المصرية، التي عملت على تهميشهم وإخراجهم من معترك الحياة السياسية والاجتماعية أيضًا، فراحوا منذ ذلك الزمن يضربون البنية التحتية والمرافق الحكومية اعتراضًا على تجاهل الحكومة لقضاياهم، وعزوفها عن تنمية سيناء خلال تلك الفترة، إلا أن تلك الحكومات كانت ترد بسلسلة من الاعتقالات ضدهم، ما جعل ردود أفعالهم أكثر حدة.

 

مشكلة الأراضي

المظالم والشكاوى التي يسردها أبناء سيناء بخصوص أوضاعهم كثيرة، إلا أن أبرزها هي طلبهم غير مرة لامتلاك أراضٍ بالمنطقة الجنوبية، ذات الموقع المميز، إلا أن نظام الرئيس السابق كان يرفض ذلك باستمرار، وخاصة أنها منطقة مميزة يرتفع فيها سعر المتر، بما يجعلها فرصة لرجال الأعمال من أصدقائه وأعوانه، لإقامة مشروعات سياحية كبيرة عليها.

وعلى الرغم من كون أبرز مهن أهل سيناء، خاصة المنطقة الجنوبية، هي السياحة، التي يجيدون إدارتها، إلا أنهم في الوقت ذاته، وفق تقارير إعلامية، استفادوا بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال «تجارة المخدرات» ونقلها عبر الحدود المصرية، عبر الحصول على العمولات أو تسهيل التهريب عقب فرض حدود بين غزة والعريش، أو الاتجار.

وينتقل الصراع من أهل سيناء مع الحكومة والسلطة المصرية؛ ليشمل صراعًا بين بعضهم البعض. فأهل جنوب سيناء، وهم الأكثر ثراءً بعملهم في السياحة واشتراك بعضهم في عمليات التهريب بشكل عام، سواء كان تهريب المخدرات أو السلاح، حيث يتعرّضون دومًا لمضايقات سكان شمال سيناء الذين سهلوا مأمورية تفجير عدد من المنتجعات السياحية في الجنوب وباركوها في غالب الأمر.

ومن أكبر قبائل سيناء القراشة والمزينة في الطور عاصمة جنوب سيناء، وهم الذين يدخلون دومًا في مناوشات مع السلطة وخاصة أنهم يشعرون بالتمييز ضدهم ويشعرون بالإقصاء، فيتهمون النظام بتزوير الانتخابات بدائرتهم دومًا حتى عقب الثورة. وفي انتخابات برلمان الثورة، راحوا يشعلون النيران في مراكز الاقتراع يناير الماضي.

 

تمرد وتقسيم

وعلى الرغم من تمرد المنطقة الدائم والتاريخي على السلطة المصرية، إلا أن نظام مبارك وقف عاجزًا أمام أهل سيناء وفشل طيلة الـ30 عامًا الأخيرة في معالجة قضاياهم والتوصل إلى حل مباشر لأزماتهم المتعددة أو الاهتمام بهم بما لا يشعرهم بالتهميش أو الإقصاء. وهو الأمر الذي تداركته القوات المسلحة المصرية في وقت تالٍ لمباشرة أعمالها خلال المرحلة الانتقالية، حيث حاولت تهدئة البدو وأهل سيناء، فعفت عن عدد من أبناء القبائل المُدانين بجرائم مختلفة في شمال سيناء، إلا أن تذمرهم مازال قائمًا بسبب بقاء الأسباب التي تشعرهم بالإقصاء والتمييز دون حل لها.

وفي هذا السياق، تثار من آن لآخر شائعات عن تقسيم مصر يكون أهل سيناء أو البدو طرفًا فيها بما يحمله تمردهم الدائم من مخاطر على السلطة والحياة السياسية في مصر، وخاصة أنهم سقطوا تحت وطأة الإرهاب والمخططات الإسرائيلية بالمنطقة، مع الإشارة إلى أن إسرائيل تسهم في بث العديد من الشائعات بسيناء تهدف إلى إثارة البلبلة هناك وضرب السياحة المصرية بشكل عام، الأمر الذي دفع الخبراء الإستراتيجيين والأمنيين للمطالبة باحتضان أهل سيناء وحل مشاكلهم باعتبارهم جزءاً استراتيجياً من مصر وعدم تركهم فريسة لمخططات خارجية تريد النيل من أمن مصر عبر المتاجرة بمشاكلهم.