في ظل أجواء دامية تخيّم على قطاع غزة الذي انهالت عليه الطائرات الحربية الإسرائيلية ومروحيات الأباتشي أميركية الصنع، منذ أيام قليلة، مخلفة 26 شهيداً فلسطينيًا وعشرات الجرحى والمعاقين. تهيأت قافلة البرلمان العربي لتحدي هذا العدوان وكسر الحصار عن قطاع غزة بتسيير 7 شاحنات مساعدات طبية ومستلزمات مدرسية الخميس الماضي بتمويل عماني- قطري.

ويقول وزير الصناعة الجزائري السابق رئيس لجنة تسيير قوافل البرلمان العربي إلى غزة عبدالقادر السماري لـ«البيان»: «هذه ثالث قافلة مساعدات للبرلمان العربي إلى غزة وعملنا عمل دائم إن شاء الله، حتى تخرج غزة من الحصار وتخرج فلسطين من نِيرِ الاستعمار»، مضيفًا: «إن بوادر المصالحة الفلسطينية كانت محفزة لنا لتسيير هذه المساعدات». وأوضح: «هذه القافلة رسالة إلى الصهاينة الذين ظنّوا أن العالم العربي منشغل عن غزة بسبب ما تشهده دول عربية من ثورات منتهزين الفرصة لضرب وقصف القطاع والاستمرار في خروقهم المختلفة رغم الهدنة».

 

إصرار

من ناحيته أكد عضو مجلس الدولة العماني عضو البرلمان العربي المكرم الشيخ مسلم المعشني، لـ«البيان» أن البرلمان العربي أصرّ على تسيير قافلة المساعدات في هذا الوقت العصيب الذي تمرّ به غزة جرّاء القصف الإسرائيلي لها، متعهدًا بالمزيد من المساعدات خلال شهرين على الأقل والعمل قدر الاستطاعة على كسر الحصار وإيصال المساعدات الفعلية اللازمة التي تلبي احتياجات الأشقاء في فلسطين. وأضاف: «لقد تم توجيه النصح لنا من قبل الجهات الرسمية المصرية وأتتنا معلومات بضرورة تأجيل الزيارة في الوقت الحاضر؛ نظرًا إلى خطورة الوضع الأمني في غزة، لكن صممنا أن تذهب القافلة، وأعتقد أن وجودنا معهم سوف يخلق حافزًا كبيرًا لدى الفلسطينيين بأن إخوانهم العرب وقت الشدة يكونون واقفين بجانبهم».

 

دعوة للزيارة

وخلال استقبال وفد البرلمان العربي في معبر رفح، ناشد النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني د. أحمد بحر، قادة العرب والمسلمين أن يزأروا وينصروا القدس الجريح، كما ناشد د. نبيل العربي أمين عام الجامعة العربية، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أوغلو، بأن يقوموا بزيارة غزة ليروا بأم أعينهم حجم الدمار والخراب والاعتداء على الأطفال. وهو ما وافقه رئيس لجنة تسيير قافلة البرلمان العربي النائب الجزائري عبدالقادر السماري، وقال: «نحن نطلب زيارة الأمين العام، ولا نريد أن نزايد عليكم في مطالب أعلى؛ لأننا نمثل ضمير الأمة كلها».

وعند لقاء وفد البرلمان العربي بإسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس، في مقر المجلس التشريعي، قال الشيخ هنية: وصولكم إلى غزة المحاصرة والتي تتعرض إلى موجة جديدة من العدوان الإسرائيلي هو تأكيد على موقع القضية الفلسطينية في عمقها العربي والبرلماني والإسلامي. كما طالب هنية بإجراءات سياسية ذات دلالات كبيرة نابعة من روح الثورة العربية والمصرية والالتزام المصري التاريخي تجاه القضية الفلسطينية.

 

حيرة فلسطينية

وخلال رحلة وفد البرلمان العربي في قطاع غزة رصدت «البيان» بعض الوقائع الإنسانية، والتقت كهلاً فلسطينياً - رفض ذكر اسمه - قال بعفوية وتلقائية حائرة عند سؤاله عن أحوال غزة مع القصف الإسرائيلي: «الحال على الله» في اقتضاب بليغ وعظيم..

لكنه سرعان ما طالب بأن يتوحّد كل فلسطيني ليكون هناك رد ملائم على إسرائيل، منتقدًا انشغال «القادة الفلسطينيين بكراسي السلطة وإهمالهم الشعب بعد ذلك».وعند إدارة الجوازات في معبر رفح البري الحدودي مع مصر لمحت «البيان» شابًا يدعى عصمت يوسف (29 عاماً)، يحضر ماجستير إدارة مالية في القاهرة، يضع يديه الاثنتين على خديه فيما بدا عليه الإحباط من طول الانتظار على المعبر، وكان في القاهرة منذ عام راجعًا إلى غزة لإيصال جدته القادمة من السعودية، وسألته «البيان»: ماذا يطلب من الدول العربية، ففوجئ بالسؤال لكنه تنهد طويلاً ليقول بصوت مرتجف: «نداءات كثيرة ولا أعلم أن أبدأ من أين ولكن أهم شيء أن يفكوا عنا الحصار الإسرائيلي»، معتبرًا «أن فك هذا الحصار سيحل كل المشاكل»، موضحًا: لدينا نقص من ناحية الأسمنت والحديد والغاز والسولار، «وهذا يؤدي إلى أن الكهرباء تقطع 12 ساعة وأحياناً 8 ساعات، وخاصة مع مشكلة السولار».

هاجس أمن الدولة

ويقول شاب فلسطيني عمره 32 عامًا يعمل في المجلس التشريعي الفلسطيني بقطاع غزة، رفض ذكر اسمه لقناعته بأن أمن الدولة المصري لا يزال موجودًا وأنه قد يمنعه من السفر إلى مصر إذا علم باسمه، لكنه تحدث طويلاً مع «البيان» عندما كان يقود إحدى السيارات التابعة لحكومة حماس والتي كانت تقل الوفد إلى مقر المجلس التشريعي؛ ليقول: «الوضع الإنساني أصبح لا يغيب عن أحد؛ في ظل انقطاع الكهرباء وعدم وجود الأدوية وتلوث مياه الشرب من جراء وقوع الصواريخ الثقيلة على الآبار الجوفية».

وتمنى على الحكومة المصرية القادمة أو الحالية والجيش بقيادة المشير طنطاوي أن يفتح معبر رفح 24 ساعة، معتبرًا أن عملية فتح المعبر حتى الساعة الخامسة مساءً تشكل أزمة في السفر، منتقدًا تأخر تخليص الجوازات في الجانب المصري، حيث يتم عرضه على المخابرات والمخابرات الحربية والأمن الوطني ويأخذ مراحل طويلة، ورغم ذلك أيضاً يقوم بتلك المهام كلها موظف واحد للجوازات متسائلاً: لماذا لا تتم زيادة عدد العاملين في الجوازات بالجانب المصري؟ وقال: «قبل الثورة المصرية كانت الظروف خانقة جدًا والمعاملة سيئة جدًا، وكنت ممنوعًا من السفر.. ولكن بعد الثورة والحمد لله تمكنت أكثر من مرة من السفر والذهاب والعودة إلى قطاع غزة وتطوّرت المعاملة إلى الأحسن».

 

المعابر والأنفاق

وفي موضوع آخر قال الشاب الفلسطيني: نرفض من الجانب المصري ربطنا بمعبر كرم أبو سالم التابع للجيش الإسرائيلي؛ لأنه بأي لحظة يغلقه الاحتلال وفي أي وقت يتم إيقاف الغاز والبترول ومشتقاته من الجانب المصري عنا؛ لذلك تبقى الأزمة كما هي ولا يوجد جديد. وأضاف: إن سعر أنبوبة الغاز في العملة الإسرائيلية 75 شيكلاً بما يعادل 150 جنيهًا مصريًا (40 دولاراً أميركياً)، مستغربًا إعطاء مصر الغاز للجانب الإسرائيلي بأقل من سعر التكلفة ومنعه عن غزة، مشيرًا إلى أن مصر إذا أعطت غزة الغاز بالتأكيد ستكون «الأنبوبة أقل من الأسعار التي يعطينا إياها الإسرائيلي»، متمنيًا إذا تم ذلك أن يكون عبر معبر رفح وليس معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل.

وسألته «البيان» عن أنفاق التهريب بين غزة ومصر فقال: «لم نكن نتمنى أن نصل إلى مرحلة حفر الأنفاق بيننا وبين مصر الشقيقة؛ لذا نتمنى أن تدخل البضائع بطريقة رسمية عن طريق معبر رفح.. ويكفي أن نقوم بإدخال السولار والبترول وأيضاً المواد الغذائية بمشتقاتها عبر الأنفاق وأيضاً مواد البناء، حيث إن معبر رفح الآن مخصص لعبور الأفراد فقط والمساعدات الطبية».

 

الرجوع المر

وعند انتهاء الزيارة وفي طريق عودة وفد البرلمان العربي إلى معبر رفح البري مرة ثانية بعد قرابة الساعة حتى الوصول إلى معبر رفح الجانب الفلسطيني، فوجئ الوفد الذي رافقته «البيان» بعدم إمكان دخوله معبر رفح الجانب المصري، وذلك لتصميم سلطات المعبر المصرية، على إغلاقه عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة، رغم اتفاق وفد البرلمان العربي على أن يتم تمديد ذلك الموعد إلى السادسة مساءً، وكان الوفد وصل قبل ذلك الموعد بـ10 دقائق. تجرعنا جزءًا من معاناة الفلسطينيين.

وقال أحد أعضاء الوفد: «انتظرنا طويلاً لمدة ثلاث ساعات كدنا نعود إلى غزة مرة أخرى لنبيت هناك وسط القلوب الشجاعة ولكننا لم نكن نعلم حقاً هل نستطيع أن نفعل ذلك ونبيت حقاً هنالك في تلك الفترة التي يتواصل فيها القصف الإسرائيلي على غزة..

تحدى البعض منا سلطات المعبر، ووصلت صيحات استهجان من موقف سلطات المعبر المصرية التي كانت لا ترغب في بداية الزيارة من إدخال الوفد البرلماني إلى غزة، وتم تأخير دخوله لقرابة ثلاث ساعات، وهو ما تسبب في تأخرنا حتى الساعة السادسة رغم الاتفاق مع الجانب المصري على العودة في ذلك التوقيت..

وفي النهاية حدثت اتصالات لتسهيل الموقف، فقام إسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة حماس بالاتصال برئيس وزراء مصر الدكتور كمال الجنزوري ليأتي الضوء الأخضر بعده بأن يفتح المعبر لندخل أجواء سيناء مرة أخرى».