عمل البابا شنودة الثالث، خلال نحو ما يقرب من 40 عاماً قضاها في منصبه في مصر كبابا للإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، على درء الفتنة وتفويت الفرصة على أعداء مصر الذين يسعون إلى تعكير صفو التسامح الكائن بين أطراف الأمة المصرية.
وبالتزامن مع تشييع جثمانه، ظهرت سيناريوهات استباقية عديدة تتعلق بطبيعة العلاقة المستقبلية بين المسلمين والأقباط، وخاصة أن شنودة الثالث كان داعمًا للتسامح بين الطرفين ورافضاً لإحداث أي فتن طائفية بالشارع المصري، فيما يبدو أن هناك تخوفات مصرية من توجهات الخليفة الجديد للبابا في ظل الوزن السياسي للمنصب في بلد مثل مصر يمر بمرحلة انتقالية.
ويرى محللون أن الصعود السياسي لفصائل التيار الديني على الساحة السياسية المصرية، وكذلك رحيل البابا شنودة، من شأنه أن يعطي إيحاءات بتغيير طبيعة العلاقة بين الطرفين إلى التصادم والخلاف، وخاصة أن البرلمان المصري تسيطر عليه أغلبية إسلامية من شأنها تشريع قوانين إسلامية في المقام الأول، مثل حد الحرابة الذي أثار طرحه أخيراً للمناقشة في البرلمان جدلاً موسعًا خلال الأيام الماضية.
ورغم كون ذلك السيناريو هو أسوأ السيناريوهات وأكثرها سلبية في طبيعة العلاقة المستقبلية بين الطرفين، إلا أن مراقبين آخرين قلّلوا من إمكانية حدوثه بأي حال من الأحوال، وخاصة في ظل تأكيد الأغلبية الإسلامية بالبرلمان المصري على «مدنية الدولة» والابتعاد عن التمييز ضد الأقباط، باعتبارهم شركاء رئيسيين في هذا الوطن.
تيارات وأقباط
وهذا الأمر أكده أمين عام حزب النور السلفي في دائرة الرمل بالإسكندرية محمود عباس، قائلاً إن «علاقة التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية بالأقباط ستكون طبيعية دون النظر إلى كونهم مسيحيين، أو النظر إلى الاختلافات الدينية، فالكل يتمتع بمبدأ المواطنة».
وأشار إلى أن «كثيراً من الأقباط أنفسهم، قبل وبعد رحيل البابا شنودة، يثقون بالفصائل الإسلامية ويكنون لها احتراماً كبيراً، لدرجة أن أحد نواب رئيس حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين قبطي». وجدد أمين عام حزب النور السلفي تأكيداته أن «عدداً من الأقباط قاموا بترشيح السلفيين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فضلاً عن اعتزام بعضهم مبايعة مرشح ذي خلفية إسلامية، لتزول بذلك أي توترات بين الجانبين».
وحدة وسياسة
وعن إمكانية عودة سيناريو العنف المقدس الذي شهدته أوروبا في العصور الوسطى، في حال ما إن تغيرت سياسة الكنيسة في ظل البابا الجديد، قال المفكر القبطي إكرام لمعي إنه «لا يمكن أن تتكرر مأساة العصور الوسطى والعنف الديني مرة أخرى أبدًا».
ورغم «احتمالية أن تدخل المؤسسة الدينية المسيحية في صدام ديني في ظل البابا الجديد»، كما يقول إكرام، إلا أنه يرى في الوقت ذاته أن «شباب الكنيسة وشباب المسلمين سوف يرفضون ذلك، وهو ما نراهن عليه الآن، فالأجيال الجديدة هي التي تدفع بوحدة مصر واتحادها».
ملفات البابا
ويرى مراقبون أن أول الملفات التي يواجهها البابا الجديد هي الدستور الجديد، مؤكدين أن الأقباط يرضون بما جاء بدستور 1971، بشرط تغيير باب «الحُكم» الذي يعطي صلاحيات للرئيس، بالإضافة إلى عدد من الملفات الشائكة التي سينظر البرلمان فيها قريباً، مثل قانون بناء الكنائس والأحوال الشخصية.