يشهد شهر مارس في كل عام إقبالاً شديداً من قبل الشباب السوري الذين يتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة للالتحاق بخدمة الجيش الإلزامي، وبسبب تحريف النظام وظيفة المؤسسة العسكرية التي تعرف بـ «حماة الديار» إلى جيش سلطوي ومن ثم الزج بترسانته في مواجهة المحتجين المطالبين بسقوط النظام كما يقول المراقبون قاطع معظم الشباب، بتشجيع من الأهالي والعائلات الالتحاق بمعسكرات الخدمة الإجبارية في هذا الموسم، ريثما ينتهي الصراع الدائر في البلاد لصالح إرادة الشعب.
وبعد مرور عام على الانتفاضة السورية، تستقبل العائلات السورية بحرقة شديدة يومياً جثامين ذويهم من الجنود الذين يخدمون في صفوف القوات المسلحة دون الكشف عن ملابسات ظروف تصفيتهم، حيث توجه القوى المعارضة أصابع الاتهام صوب الأجهزة الأمنية على خلفية رفض الجنود إطلاق النار على المتظاهرين بصدورهم العارية، في حين تهرع السلطات وعبر آلية دعايته الإعلامية بلصق التهمة بجماعات مسلحة، وبين هذا وذاك يبقى الخوف والهلع يدب في قلوب أهالي الجنود المتواجدين في المناطق الساخنة.
ويرى المحللون أن المؤسسة العسكرية تعتبر من أكثر المؤسسات مشبعة بالفساد والرشوة، رغم قدسية مكانتها في حماية الوطن، ولهذا تستغل الطبقة الميسورة ذات النفوذ القوي بعض الضباط عبر دفع الرشى لهم لتجنيب أبنائهم الالتحاق في الخدمة العسكرية، بينما تتحمل أبناء الطبقة الفقيرة المنتشرة في القرى والأرياف عبء الانضمام إلى الجيش، الذي يصفه البعض بـ «العقائدي».
أعدم كريم!
وتروي أم كريم، وهي أرملة من مدينة دير الزور، مأساة ابنها كريم الذي تمت تصفيته أخيراً على يد الضباط والقوى الأمن في قطعته العسكرية الواقعة في مدينة حمص.
وتقول هذه الأم المكلومة: «فر كريم من الخدمة جراء رفضه الأوامر الصادرة من الضباط المشرفين عليه لإطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين في حي باب السباع، ولدى وصوله إلى البيت انتابني مشاعر الخوف من أن يكون ملاحقاً من قبل أجهزة الأمن ويتم إعدامه، وما زاد من الأمر سوءاً أنني أخذت بنصيحة بعض الناس وسارعت بتسليمه إلى الجهات المختصة بعد التصريح الذي أدلى به الوزير الداخلية محمد الشعار بالعفو عن كل من يقدم بتسليم نفسه من الجنود». وتتابع بحسرة حارقة وبمشاعر نادمة بأنها ارتكبت خطأ قاتلاً عندما قامت بتسليم ابنها كريم إلى الجهات المعنية في حمص، حيث لم يمض يوم حتى أرسل إليها جثة هامدة.
قتل عمر وفر رشيد
وفي نفس السياق، يروي أبو رشيد وهو من مدينة التل الواقعة في ريف دمشق بأن ولديه عمر وفؤاد التحقا معاً في خدمة العلم قبل اندلاع الأحداث في البلاد، ومع انتهاء مدة خدمتهم تم الاحتفاظ بهما أكثر من ثلاثة شهور، وقبل شهر جاء نبأ قتل عمر الذي كان يقف على حاجز عسكري على مقربة من مدينة جوبر القريبة من دمشق دون وجود مبررات واضحة من قبل السلطات حول حيثيات مقتله.
ويضيف أبورشيد: «ما وصلني خبر تصفية عمر حتى اتصلت على الفور بالرشيد الذي كان يخدم هو الآخر في قطعة عسكرية قريبة من مدينة الكسوة (ريف دمشق) لحضّه على الفرار من الجيش. ويردف هذا الرجل القول إنه «بعد أن نجح الرشيد في الفرار انتقلنا جميعاً إلى منطقة بعيدة ومتوارية عن أنظار القوات الأمن والجيش لتجنب الاعتقال والقتل في حال تم العثور علينا».
تصدعات الجيش
وتشهد المؤسسة العسكرية السورية تصدعات كبيرة من داخلها على صعيد أفراد المجندين، فمن جهة تتواصل حملات الانشقاق والالتحاق بصفوف الجيش الحر، ومن جهة ثانية ينتهز كل جندي فرصة للفرار إلى الأرياف والقرى النائية أو الذهاب إلى خارج البلاد. وما يزيد من علامات الارتباك داخل المؤسسة هو عدم وجود وقت كاف لملاحقة المتخلفين عن الجيش لأن أولوية المؤسسة العسكرية والأمنية تكمن في هذه الآونة بالقضاء على المنتفضين والناشطين وتطويق الجيش الحر، حسب ما يقول الشباب المطلوب في الخدمة الإلزامية.
وتشير مصادر المعارضة إلى أن أكثر من 40 ألفاً تخلفوا عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، فمنهم من ينتقل من مكان إلى آخر بعد أن أرسل إليه مذكرة استدعاء إلى الجيش، ومنهم من وجد في السفر إلى خارج البلاد ملاذاً آمناً له.
مقاطعة كوردية لمعسكرات الجيش النظامي
قررت مجموعات شبابية في المناطق الكردية مقاطعة معسكرات النظام، منددين بحوادث مقتل الجنود الكرد.. في الوقت الذي تشهد فيه المناطق الكردية ارتفاعاً في وتيرة التظاهرات المناوئة للنظام في الأسابيع الماضية علاوة عن تزايد أعداد القتلى من أبناء المناطق الكردية في صفوف الجيش.
ودعا الشبان الأكراد إلى التخلي عن اللحاق بالخدمة الإلزامية حفاظاً على حياتهم، ولئلا يتحولوا إلى أهداف سهلة من قبل الجيش النظامي. ويرصد العضو في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي حسين شاويش ارتفاعاً ملحوظاً منذ انطلاقة الانتفاضة السورية في أعداد القتلى في صفوف الجنود الكرد؛ جراء رفض الأوامر الصادرة من الضباط بالرتب العليا بإطلاق النار على المتظاهرين.
ويؤكد شاويش على أن النظام يفرض على الأهالي لدى تسليمه جثث المجندين أن يتم دفنهم بمنأى عن المراسيم والأعراف المعتادة خشية من تحويل التشييع إلى تظاهرة منددة، الأمر الذي رفع من حدة وتيرة الغضب الشعبي، واتخذ على اثره الأهالي مع الشباب المطلوب في الخدمة العسكرية قراراً يقضي بعدم الالتحاق بالخدمة العسكرية لنظام يبطش بشعبه ويرتكب المجازر بحق المنتفضين الساعين إلى نيل حقوقهم وكرامتهم.
وأضاف ان مهمة الجيش السوري تحولت إلى حماية السلطة وليس الدفاع عن الوطن، معتبراً قرار امتناع الشباب الكردي بعدم الالتحاق بخدمة الجيش صائباً؛ لأن الشعب الكردي يتوق إلى تحقيق العدالة والحرية في البلاد.
ويقول إنه من «الأجدى أن يتطوع الشباب الكرد للدفاع عن مدنهم وقراهم عبر تأسيس لجان دفاعية مشروعة لمواجهة قوات النظام في حال أقدم على اقتحام المدن»، لافتاً إلى أن جميع الأهالي والقوى السياسية الكردية ساندوا القرار الذي اتخذه الشباب بعدم الالتحاق بالخدمة العسكرية.
