سيتذكر التاريخ البابا شنودة الثالث (نظير جيد روفائيل) طويلاً، ليس لمكانته لدى الأقباط فحسب، وإنما لمواقفه التي لا تنسى، ولكلماته التي يعرفها الجميع، والتي من بينها أن «مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا».

الراحل، طوال عمره الذي ناهز الـ89 عاما، اشتهر بالاعتدال والوطنية، بشهادة القاصي والداني، وحظي باحترام القيادات الشعبية والسياسية في ربوع بلاده وفي أرجاء العالم العربي.

ولد في قرية سلام التابعة لإيبراشية منفلوط، وحصل على الليسانس في الآداب في العام 1947. وبعد أن أمضى أكثر من 40 عاماً على رأس أقدم الكنائس المسيحية في العالم (في العام 1971)، عانى من سرطان الرئة، وظل يتنقل خلال الشهور الأخيرة ما بين القاهرة والولايات المتحدة لإجراء الفحوصات الدورية وتلقى العلاج، إلا أن جسده لم يكن يستجب للأدوية.

عرف عن الرجل مواقفه السياسية، أبرزها ما شب بينه وبين الرئيس الراحل أنور السادات من اختلاف. حيث رفض الأنبا شنودة اتفاقية السلام مع إسرائيل، ورفض الذهاب إلى تل أبيب برفقته في العام 1977، بل وحرّم على أبناء طائفته الذهاب للحج إلى القدس تحت الاحتلال، ما صنع حالة «عدائية» من قبل الرئيس الراحل، بلغت هذه الحالة ذروتها حين أصدر السادات قراراً في العام 1981 بالتحفظ على 1531 من الشخصيات العامة المعارضة، بينها البابا شنودة. لم يعتقل وإنما تم تحديد إقامته في دير بوادي النطرون.

وفي عهد الرئيس السابق حسني مبارك اختار الرجل طريقة أخرى اشتهر بها حين غضبه أو اعتراضه على أمر ما، حيث لجأ طوال عهد مبارك، إلى «الصمت» أو الاعتراض «بالاعتزال» في دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون أيضا.

وبينما دعم خلال الانتخابات الرئاسية العام 2005 الرئيس المخلوع في انتخابات الرئاسة رغم معارضة الكثيرين من المثقفين الأقباط الذين كانوا أقرب إلى المعارضة.. حرص الأنبا شنودة بعد خلع مبارك على إقامة علاقة جيدة مع المجلس العسكري.

وذاد الرجل عن حياض الوحدة الوطنية كثيرا، ورفض العديد من المحاولات الخارجية للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر تحت ذريعة «حماية الأقباط». كما كان يحب الكتابة، وخاصة كتابة القصائد الشعرية، ولقد كان ولعدة أعوام محرراً ثم رئيساً للتحرير في مجلة مدارس «الأحد».

عمل خادماً بجمعية النهضة الروحية التابعة لكنيسة العذراء مريم بمنطقة مسرة في القاهرة، وطالبا بمدارس الأحد، ثم خادما بكنيسة الأنبا أنطونيوس بحي شبرا في القاهرة في منتصف الأربعينات. من ثم تم ترسيمه راهبا باسم أنطونيوس السرياني في العام 1954، وما بين عامي 1956 و1962 عاش حياة الوحدة في مغارة. وبعد عام من رهبنته تم ترسيمه قساً. وأمضى عشرة أعوام في الدير دون أن يغادره.

وتم ترسيمه أسقفاً للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وكان أول أسقف للتعليم المسيحي وعميداً للكلية الإكليريكية في 30 من سبتمبر 1962. وعندما توفي البابا كيرلس في 1971 اختير شنودة للجلوس على كرسي البابوية في الكاتدرائية المرقسية الكبرى ليصبح البابا رقم 117 في تاريخ البطاركة الأقباط.