ما أبلغه المبعوث الأممي كوفي أنان لمجلس الأمن الدولي عن وساطته السورية كانت واشنطن على علم به قبل الكشف عنه.

طيلة الأسبوع الماضي بقيت الخارجية الأميركية تشير بالتلميح إلى تعثر مهمة المبعوث الدولي العربي. خصوصاً بعد اتصال الوزيرة كلينتون معه، في اليوم الثالث لوصوله إلى دمشق؛ ثم بعد أن تلقى أنان الردّ السوري على مقترحاته، والتي قيل إن المبعوث عاد وطرح استفسارات حولها، ليأتيه الجواب بما يفيد أنه تعذّر حتى وقف إطلاق النار، قالت المتحدثة الرسمية إن الإدارة «مستعدة لدعمه، لو أمكن حمل الرئيس الأسد على القبول به».

وبذلك عادت الأوضاع، في الذكرى السنوية الأولى لانفجار الوضع السوري، إلى ما كانت عليه: خيار أمني متواصل على الأرض، يقابله خيار دولي معطّل. وبين الاثنين تتزايد أدوار الخارج، وبما يزيد من خطر إلغاء الحل الداخلي ليضعه في أيدي الآخرين. وفي هذا السياق تصوبت الأضواء مؤخراً في واشنطن، أو بالأحرى تجدّد تصويبها، نحو ذات الخيارات المتداولة منذ فترة، والتي تعذر تنفيذها لأسباب واعتبارات عديدة، داخلية وإقليمية ودولية. من فتح ممر للمساعدات الإنسانية، إلى إقامة وفرض شريط عازل عند الحدود التركية؛ مروراً بتسليح المعارضة، وأخيراً بتشديد العقوبات ورفع منسوبها لتطول العصب المالي الرئيسي.

وإذ يكثر الحديث عن الممر، إلاّ أن خيار الشريط عاد في الأيام الأخيرة إلى الصدارة، بالتزامن مع تصريحات تركية تمهد لهذا الخيار، من خلال ما تبديه من «قلق بشأن قضية اللاجئين» السوريين المتواجدين على أراضيها. وبالتحديد بعد انتقال المواجهة شمالاً إلى إدلب القريبة من الحدود التركية. ثمة من يرى أن تسليط الأضواء في هذا الاتجاه يبدو أقرب إلى «رفع درجة الضغط لا أكثر» على دمشق، لوقف اندفاعها نحو تعميم بابا عمرو على المناطق الأخرى. فتركيا «تعرف أن مثل هذا التدخل قد يؤدي إلى تآكل رصيدها في الشارع العربي»، يقول الباحث بايرم بالسي من مؤسسة كارنيغي للسلام في واشنطن.

لكن في المقابل، يرى فريق من المراقبين أن هذا الخيار «جدّي ولا بديل عنه» في نهاية المطاف. لاسيما أن النظام حسم بشأن الحلّ الأمني من غير عودة. والمعلوم أن واشنطن تدعم الشريط. على الأقل لم تبد أي تحفظ بشأنه، طالما أنه لا يرتب عليها أي دور مباشر في الوقت الراهن.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن إدارة أوباما تعمل وحتى إشعار آخر، لشراء الوقت؛ من خلال العودة إلى الضغوط الدبلوماسية وورقة العقوبات. «نواصل مساعينا مع موسكو»، تقول الخارجية، التي أعربت عن شيء من الارتياح للموقف الروسي؛ في أعقاب ما صدر عن الوزير سيرغي لافروف من كلام ناقد لسوريا، بسبب تأخرها في تنفيذ الإصلاحات. مع أن المسؤولين الأميركيين يعرفون، حسب ما تشي به تسريباتهم وتصريحاتهم، بأن ذلك لا يرمز إلى تحول قريب في حقيقة الموقف الروسي.

وعلى صعيد العقوبات، صدرت إشارات حول احتمال دفع الأوروبيين لمنع سوريا من استخدام شبكة التحويلات المالية الدولية بين المصارف، والمعروفة باسم «سويفت» ومركزها بروكسل. وبالتحديد منع البنك المركزي السوري من هذا الاستخدام، الذي تم تطبيقه قبل يومين على إيران، والذي من شأنه شلّ التعامل المالي المصرفي مع العالم. «نحن ما زلنا نحث كافة البلدان لتحذو حذونا على صعيد المقاطعة المالية مع سوريا»، يقول مسؤول في الخارجية ردّاً على استفسار «البيان»، لناحية ما إذا كان نفس التوجه وارد بالنسبة لسوريا.

لكنه لم يؤكد أن واشنطن تسعى مع الأوروبيين لتطبيق ذات الخطة ضدّ سوريا. لا يبدو أن على طاولة واشنطن الآن غير الاستمرار بمهمة أنان. ولو أن المكتوب مقروء من عنوانه. كما لا يبدو أن المتوقع من هذه الوساطة غير خطوة متواضعة تحفظ ماء الوجه، مثل العمل على عودة المراقبين إلى سوريا. إجراء جرى تجريبه وعلى غير جدوى. وصفة لمعالجة محكومة بالعجز، فيما يدخل العنف في دوامة التصعيد المفتوح على المزيد من الانسدادات الأمنية والسياسية.