لم يكن يجرؤ أحد في فرنسا منذ عقود أن ينطق اسم الحرب الجزائرية للاستقلال التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأشخاص وأحدثت فجوة بين باريس والجزائر، ورغم أن اليوم يوافق مرور الذكرى الـ50 لهذه الحرب التي امتدت خلال الفترة من 1954 و1962، إلا أن جراحها لم تلتئم بعد.
وانتهت «الأحداث الجزائرية» كما كان يطلق عليها مجازا في فرنسا حتى عام 1999، عندما وقع الرئيس الفرنسي شارل ديغول اتفاق سلام مع القوميين الجزائريين في مدينة إيفيان في 18 مارس 1962، ومهدت الاتفاقية الطريق أمام استقلال الجزائر في يوليو من ذلك العام. وليس من المقرر تنظيم أي احتفالات رسمية في فرنسا لإحياء الذكرى، لكن ذكريات الصراع وتداعياته لا تزال حية بين العائلات التي اضطرت للفرار من البلد الواقع شمال أفريقيا.
أحمد جواري، هو ابن واحد من بين 60 ألف شخص من السكان الأصليين المعروفين باسم «الحركيين» الذين انضموا لصفوف الجيش الفرنسي في الجزائر لمكافحة حركة الاستقلال. وأعطى الجيش الفرنسي لأبيه بندقية وطلب منه القيام بدورية في قريته لأن مقاتلي جبهة التحرير الوطني «ينهبونها». وعندما وضعت الحرب أوزارها، تخلت فرنسا عن «الحركيين»، ما تركهم ضحية لجبهة التحرير الوطني. وأجلي عدد قليل منهم، بينهم والد جواري، إلى فرنسا حيث جمعوا في شاحنات ألقتهم في معسكرات اعتقال. وأمضى جواري 34 عاما، أول ستة أعوام من عمره في منزل ضيق سابق التجهيز مع سبعة أشقاء وشقيقات في غابة بمنطقة موا سارتو بالقرب من بلدة كوت دي أزور الواقعة في منطقة كان.
وفي المدارس، يوضع أبناء الحركيين في أخر الفصول. ويقول: «كنا صغار مواطني شمال أفريقيا مصطلح ازدرائي يشير للعرب الذين لا يفهمون شيئا». بالنسبة للفرنسيين كانوا عربا، لكن بالنسبة للأطفال العرب من بلدات أخرى كانوا «حركيين قذرين» يجب مقاتلتهم عند لقائهم في دوري كرة قدم تحت حماية الشرطة.
ويقول جواري، ويعمل محاسبا ماليا يعيش مع زوجته وابنه في مدينة تولون: «كان وضعا صعبا للغاية عاطفيا وماليا واجتماعيا». كما أجرى جواري طقوس استشفاء خاصة به. ففي العام الماضي، سافر إلى قرية أبيه في ولاية الشلف وجمع بعض الثرى لينثره على قبر أبيه في موا سارتو.
بدوره، يعتزم جاك برادل، الذي يعيش أيضا في كوت دازور بمرسيليا، السفر إلى الجزائر، بعد 50 عاما من اضطراره للهرب، ولا يزال يشعر أنها بلاده. وبرادل هو ابن حفيد مستعمر فرنسي وصل الجزائر على متن فرس وعربة تجرها الخيول ومعه خمسة من أبنائه في عام 1848، بعد نحو 20 عاما من ضم فرنسا البلاد إليها.
وعلى عكس الفرنسيين في الجزائر، الذين كانوا فقراء بالمعايير الفرنسية، تمكنت عائلة برادل من الحصول على الثروة في غضون جيلين. وكبر برادل 67 عاما، والملقب بصاحب «القدم السوداء» كما يطلق على الفرنسيين المولودين في الجزائر، في مزرعة قمح واسعة في ولاية تيارت بوسط
البلاد. وانتقل برادل في أخر شهور الحرب إلى مدرسة داخلية في مدينة وهران الساحيلة، حيث كانت «منظمة الجيش السري» اليمينية المتطرفة تقاتل للإبقاء على الجزائر الفرنسية من خلال حملة تفجيرات وعمليات قتل. وقال إن «الأجواء أصبحت صعبة الدفاع عنها».
ويقول الباحث المتقاعد الذي اشتعل رأسه شيبا «كنت في السادسة عشر من العمر أو السابعة عشر، وكنت اتنقل بين جثث الذين قتلوا على يد المليشيا». وأدى مقتل مئات ألأوروبيين في حرة استقلال وهران إلى هروب جماعي إلى فرنسا. وعاد والد برادل إلى فرنسا، حيت واصل مهنة الزراعة في منطقة بيرنيه. وأرسل جاك برادل إلى باريس لإكمال دراسته. ويقول: «عندما أذهب للجزائر سأقول للجزائريين مباشرة أنا ابن أحد المستعمرين الذين استغلوا الجزائريين، وهم يقولون دائما إنهم لم ينسوا».