قبل أن ينزل المتظاهر السوري إلى ساحة الاحتجاج للمطالبة بإسقاط النظام، فإنه يدرك قبل ذلك بإمكانية مقتله. التزم السوريون بهذه القاعدة النفسية منذ اليوم الأول للثورة في 15 مارس من العام الماضي، لكن هذا لم يمنع من تسلل الفكاهة والنشاطات الطريفة إلى «بكائيات» الثورة التي تحولت إلى طريقة حياة بالنسبة للمحتجين.
وبدأ الحس الفكاهي يخفف من آلام الثمن الباهظ للاحتجاجات نتيجة القمع الحكومي مع بداية انتقالها إلى مدينة حمص المشهورة بالنكتة. فبعد اقتحام قوات النظام ساحة الحرية في 18 أبريل الماضي، انكفأ المتظاهرون إلى الأحياء الداخلية فيما كان النظام يروج لرواية «العصابات المسلحة»، حينها بدأ ناشطون بتمثيل رواية النظام من خلال تثبيت «انابيب» مدفأة ووضع المفرقعات فيها وتوجيهها إلى عناصر الأمن والجيش وسط تعالي أصوات القهقهات من جانب المحتجين بينما كان عناصر الأمن يردون عليهم بالرصاص الحي، معتقدين أنه «سلاح من نوع ما». صاحب الفكرة قتل في وقت لاحق، وهو شاب من آل عروب في حي الخالدية، أطلق اسم «آر بوري» تيمناً بـ«آر بي جي» على سلاحه.
وبعدها بأيام خرج شباب من حمص بمقطع فيديو أصبح شهيراً عندما كشفوا عن وجود «عصابات مسلحة» مجهزين بـ«أحدث الأسلحة»، حيث ظهر في المقطع مجموعة شباب يحملون قطع من الخضروات، حيث استعاضوا عن القنبلة اليدوية بالباذنجان، والرصاص بالبامية إضافة إلى «قاذفة الكوسا».
نجاح في حمص
ثم انتشرت نكات الثورة وتمثيلياتها في عدة مدن. لكنها نجحت بشكل أساسي في حمص على شكل تسجيلات مصورة ومسرحيات. فإضافة إلى ما سبق الاشارة إليه، اقام الثوار حفلة زواج لعلبة الغاز وعبوة المازوت، ترافقت مع أغاني الزفاف والرقص ومقعد العروس، الغاز، والعريس، المازوت، في تعبير ساخر عن عدم توفر هاتين المادتين.
وتعكس الفكاهة طبيعة الثقافة المحلية لكل منطقة، وهي تختلف من مكان لآخر. وعلى سبيل المثال، لم تتمدد الفكاهة الثورية إلى مناطق شرق سوريا حيث معاقل العشائر الكبيرة. كما لم تشهد المناطق الساحلية نشاطات تعتمد على السخرية.
لكن روح السخرية انتقلت إلى مدينتي كفرنبل بريف ادلب وعامودا في ريف الحسكة على شكل لافتات تتناول بالنقد اللاذع الممزوج بالفكاهة مواقف شعبية من النظام ومن التدخل الدولي. كما لم توفر هذه اللافتات حتى المعارضة الممثلة بالمجلس الوطني السوري. وتتميز هذه اللافتات بأنها قراءة للواقع السوري عبر الكوميديا السوداء التي يشتهر بها السوريون.
وفي آخر نشاط مميز، رفع متظاهر لافتة في مدينة حماة تقول: «ما بين كرم الزيتون في حمص وحقول الزيتون في ادلب شعب يُعصر»، في إشارة إلى المجازر التي ارتكبتها القوات الموالية للنظام في حي كرم الزيتون بحمص ومجازر في ادلب التي تشتهر بزراعة أشجار الزيتون ومعاصر الزيت.
تظاهرة الحمير
وبعد إطلاق جنود موالين للنظام الرصاص على قطعان الحمير، أصبح هذا الحيوان الذي يستخدمه السوريون في الأرياف كوسيلة نقل، يحظى بشهرة واسعة. بل إن الناس عملوا على إعادة تعريفه في سياق الأحداث الجارية وأصبح يستخدم في التظاهرات، كتظاهرة سيّر خلالها شبان مجموعة حمير محتجين على قتل «أشقائهم» على يد النظام.
وفي بلدة حاس بادلب، بث ناشطون مقطعا يظهر عدة أشخاص داخل كهف محاولين إشعال نار عبر حجر صوان يقدح به أشخاص مثّلوا حالة الانسان البدائي بدقة، تعليقاً على نتائج إصلاحات أعلن عنها النظام.