دخلت الانتفاضة السورية عامها الثاني، دون وجود آفاق سياسية ملموسة توضح ملامح الحقبة المقبلة. فكل التحركات الدولية والجهود الدبلوماسية لوقف حدة العنف الذي تنتهجه قوات النظام حيال المحتجين، لم تفضِ إلى نتائج واقعية على الأرض، ما مهد الطريق لدعوات التسليح بين صفوف الثورة لحماية نفسها من حملات التطهير الجماعي، في حين يبقى تفاعل مكونات النسيج الاجتماعي والعرقي والديني المتعدد في سوريا حيال مشاركتها في الانتفاضة، موضع تساؤل وبحث لدى المراقبين.

 

موقف العلويين

ويُتهم النظام السوري بأنه رسّخ حالة طائفية عبر زج الطائفة العلوية في قلب المعركة، كون معظم قيادات الجيش والعناصر الأمنية وعناصر ميليشيات الشبيحة التي تخوض الحرب ضد الثورة، هي من أبناء هذه الطائفة.

غير أن البعض يعارض هذه الفكرة، وينفي الصفة الطائفية عن النظام. إذ يعتبر المعارض منذر خدام، المنتمي إلى الطائفة العلوية، ومسؤول العلاقات العامة في «تيار معاً» أن النظام السوري «لا يستند في تركيبته على بنية طائفية بعينها، على الرغم من وجود الكثير من المنتفعين من الطائفة العلوية في داخله». ويردف: «فتركيبة النظام تتجسد من خلال احتكارات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية تشارك فيها معظم الطوائف السورية». ويؤكد خدام أن النظام « زج بأبناء الطائفة في ساحات القتال ليسقط يومياً الضحايا، وبالتالي يتعزز توجس الطائفة يوماً بعد يوم»، مشيراً إلى أنه يستغل هذه الظاهرة ليقول بشكل غير مباشر إن «بقاءكم مرهون بوجودي، وبالتالي لو ذهبتُ فمن الممكن أن تتعرضوا إلى المزيد من الضحايا».

 

شعارات مشبوهة

ويضيف خدام أن «خروج بعض الشعارات المشبوهة المناهضة للطائفة في الآونة الأخيرة خلسة من بين صفوف المتظاهرين، زادت من مخاوف الطائفة وجعلتها تتراجع إلى الوراء طيلة الانتفاضة»، معتبراً أن «هناك جدالات كبيرة تجري داخل الطائفة حول اتخاذ موقف مؤيد من الحراك الثوري، ومن الممكن أن تفضي إلى تحولات جذرية تغير المشهد السياسي في قادم الأيام».

واعتبر خدام أن «هناك الكثير من الشخصيات العلوية التي تتصدر مشهد المعارضة السورية، وهم جزء من الحراك الشعبي، في حين تبقى المشاركات الشبابية محدودة في الحراك، وقد طالت عملية الاعتقال قسماً منهم، وزج بهم في أقبية السجون، لا سيما في اللاذقية وبانياس وجبلة»، مشيراً إلى محاولات «بعض الشباب الذهاب إلى محافظات أخرى، نتيجة الهدوء النسبي المخيم في المناطق الساحلية للمشاركة في التظاهرات السلمية».

 

موقف المسيحيين

أما موقف المسيحيين، فما زال يكتنفه التردد بعد مضي عام على الثورة. وعلى الرغم من فعالية قادة المعارضة المسيحيين أمثال جورج صبرة وميشيل كيلو، وحتى المنظمة الآثورية في سوريا، تخرج بعض الأصوات لتتهم الكنسية علناً بمساندة النظام وتثبيط همم الشباب عن المشاركة في الثورة.

ويقول عضو في المكتب السياسي للمنظمة الأشورية كرم دولي إن «الكنسية المشرقية منذ القرون الماضية كانت تساند الحاكم ضد الرعية، وكانت المرجعية تلعب دورها في النواحي الاجتماعية والحياتية وأحياناً السياسية.. وبعد مضي عام على الثورة ما زالت تأخذ موقفاً سلبياً معادياً للحراك، وتلتزم حالة الصمت وتساند النظام، في الوقت المطلوب منها أن تحث الشباب على المشاركة في الحراك الشعبي».

ويضيف كرم القول إن «هناك جملة من عوامل أخرى ساهمت في انكماش أبناء الديانة على نفسها، من بينها الفعل الإعلامي الذي يمارسه النظام حيال الأقليات الدينية، وتقسيم المجتمع عمودياً بين الخائن والمؤيد، بحيث لم يترك خياراً آخر، إضافة إلى وصول التيار الإسلامي إلى سدة الحكم في كل من تونس وليبيا ومصر، ما عزز من مخاوف المسيحيين من المشاركة في الانتفاضة السلمية».

 

موقف الأكراد

ولدى النظر إلى الحراك في الساحة الكردية، فقد أخذ بالتصاعد منذ انطلاقة الانتفاضة، وباتت الدعوات للخلاص من النظام ترافق كل التظاهرات في المدن الكردية الواقعة في الشمال الشرقي البلاد.

ويشير سكرتير الحزب اليساري الكردي محمد موسى إلى أن الأكراد «حسموا موقفهم حيال سقوط النظام بأغلبية ساحقة، وأن حراك الشباب الكردي لم ينقطع في الشارع، بل يتزايد يوماً بعد يوم، حتى بتنا نشهد في الآونة الأخيرة خروج تظاهرات بعشرات الآلاف في كل المدن الكردية».

ويلفت موسى إلى أن النظام «حاول تحييد الكرد عبر رفض إطلاق النار وإسقاط الضحايا والقتلى، كما هو حاصل في المناطق الساخنة». ويعود ذلك إلى «حسابات النظام الذي يسعى إلى عدم تفجير الشارع الكردي وتحييده عن مسار الانتفاضة».

ويؤكد موسى أن النظام فشل في تحييد الشارع الكردي، «لأننا نعي منذ العقود أن المصلحة الكردية تقتضي إزالة هذا النظام، وبالتالي حل القضية الكردية بشكل عادل في ظل سوريا ديمقراطية تعددية»، مشيراً إلى أن الحراك الكردي الميداني يصطبغ طابعه العام بشراكة قوية مع كل المكونات الاجتماعية في سوريا، فضلاً عن بروز الخصوصية الكردية في التظاهرات السلمية.

 

حراك الدروز

أما المنطقة الجنوبية في سوريا، وتحديداً مدينة السويداء وأريافها، فشهدت مؤخراً حركة احتجاجية كبيرة، وخصوصاً في مدينة شهبا. وكان ذلك مؤشراً على انخراط الطائفة الدرزية في الحراك، رغم التأييد الذي يلاقيه النظام من المرجعيات الدينية.

 وترى الكاتبة ميس كريدي أن النظام السوري «تعامل بذكاء مع هذه المحافظة، فمنذ بداية الأحداث في سوريا، قبل عام تقريباً، لم يُسجل سقوط قتيل واحد فيها. لكن هذا لا يمنع أن تتحرك الطبقة الثقافية والسياسية في السويداء لتلعب دوراً مهماً في القادم من الأيام، فهؤلاء لا يتأثرون بقرارات مرجعياتهم الدينية، وحالياً نشهد احتجاجات بشكل يومي في معظم مناطق السويداء، فضلًا عن حالات الاعتقال اليومي التي تطال الناشطين».

وتضيف كريدي أن «المؤشرات توحي بأن أبناء السويداء سيقولون كلمتهم في قادم من الأيام، لأنهم لا يرضون بتحويل سوريا إلى بحر من سفك الدماء على يد النظام».