قفزت مدينة الرقة، شرق سوريا، دون سابق إنذار إلى واجهة الثورة السورية التي دخلت عامها الثاني، حيث شهدت المدينة، التي كانت توصف بـ«الوفية» في عُرف النظام لعدم مشاركتها في الاحتجاجات، انتفاضة عارمة شارك فيها مئة ألف سيطروا على شوارع رئيسية توجد فيها مقرات للأمن وحزب البعث قبل أن تقتحمها الدبابات، ليسقط قتلى في جمعة «التدخل العسكري الفوري»، التي لقي فيها العشرات حتفهم ضمن مئات آلاف المتظاهرين، تزامناً مع تظاهرة غير مسبوقة ضمت 50 ألفاً في مدينة الحسكة القريبة منها، في حين سجلت عودة قوية لمدن الساحل بعد انكفائها لعدة شهور نتيجة الحصار الأمني، كما حافظت حلب على الزخم التصاعدي لتحركها، بتصدرها نقاط التظاهر، في وقت استمرت الاشتباكات بين الجنود المنشقين وقوات النظام، وصلت هذه المرة إلى قلب المربع الأمني في العاصمة دمشق الواقع في حي كفرسوسة.

وقال ناشطون وشهود عيان أمس: إن الرقة انتفضت عن بكرة أبيها للمطالبة بإسقاط النظام، مضيفين أن المحتجين اعتصموا في ساحة الساعة منذ مساء أول من أمس لانتظار تشييع أحد القتلى. وذكر ناشط من المدينة أن عدد المتظاهرين فاق الـ100 ألف شخص ملؤوا شارع 23 شباط، مضيفاً أن مجموعة من المحتجين اقتحمت مقر فرع أمن الدولة.

 

اقتحام بالدبابات

وذكرت لجان التنسيق المحلية أن دبابات النظام اقتحمت المدينة وسط إطلاق نار كثيف على المحتجين، ما أسفر عن مقتل 19 محتجاً وسط أصوات انفجارات عنيفة في أنحاء المدينة. وأفاد شهود أن هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها الدبابات إلى مدينة الرقة التي كانت وسائل إعلام النظام تصفها بـ«مدينة الوفاء» نظراً لضعف الحراك الاحتجاجي في المدينة خلال عام من الثورة. وذكرت تنسيقية الرقة أن المحتجين أحرقوا أكبر صورة للرئيس بشار الأسد على مدخل المدينة. وذكر ناشطون أن 12 عنصراً من مفرزة أمنية انشقوا وانضموا إلى الجيش الحر. وتعتبر الرقة من المناطق التي طالها التهميش طيلة عقود، وهي تقع شمال سوريا وتتوسط محافظتي الحسكة في الشرق وحلب في الغرب، ويعمل غالبية سكانها في الزراعة وتربية الماشية.

50 ألف متظاهر

أما في الحسكة القريب من الرقة، فاحتشد أكثر من 50 ألف متظاهر في مدينة الحسكة خلال تشييع قتيل سقط برصاص الأمن في يوم سابق باحتجاج مناهض للنظام. وقال ناشطون: إن المشيعين هتفوا بإسقاط النظام خلال التشييع الذي وفد إليه المشاركون من القاملشي وعامودا ومدن كردية أخرى. وذكرت تقارير أن متظاهرين حاولوا تحطيم تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد. كما تظاهر آلاف الأكراد في القامشلي أمام جامع قاسمو وفي الدرباسية وسري كانيه رغم الأمطار الغزيرة التي هطلت على المدينة.

 

عودة الساحل

وكان لافتاً أيضاً عودة الروح الاحتجاجية إلى الأحياء المعارضة في مدن الساحل السوري، حيث شهدت كل من جبلة وبانياس واللاذقية تظاهرات رغم الخناق الأمني الاستثنائي على هذه المناطق كونها تقع في دائرة الموالين للنظام. وقالت لجان التنسيق المحلية: إن قوات موالية للنظام قامت بحملة مداهمات في بانياس التي كانت أول مدينة تظاهرت بعد اندلاع الثورة في درعا.

وفي اللاذقية، ذكرت اللجان أن تظاهرات خرجت من 18 منطقة في المدينة، منها حي الأشرفية ومشروع القلعة والكورنيش الجنوبي وقنينص والصليبة، حيث واجهتها قوى الأمن وميليشيا «الشبيحة» بشكل عنيف. وكانت الاحتجاجات تراجعت في مدينة اللاذقية بعد اقتحام قوات موالية للنظام الأحياء المعارضة بالدبابات بعد قصفها بالأسلحة الثقيلة.

 

قصف حمص

وفي السياق ذاته، تعرضت أحياء عديدة في مدينة حمص لقصف القوات النظامية بعد خروج احتجاجات حاشدة في المدينة. وقال الناطق باسم الهيئة هادي العبدالله في اتصال مع وكالة «فرانس برس»: إن أحياء «البياضة والخالدية ودير بعلبة تعرضت لقصف متقطع». وأضاف: «بعد التظاهرات الحاشدة المفاجئة التي خرجت في حمص، يبدو ان قوات النظام فقدت صوابها وبدأت بالقصف العنيف على احياء باب السباع وباب الدريب وباب الجندلي وباب تدمر والحميدية في حمص القديمة، إضافة الى أحياء الخالدية والبياضة ودير بعلبة».

وتابع أنه «سجل سقوط بعض قذائف الهاون على حي القصور». من جهتها، ذكرت لجان التنسيق ان عشرات المنازل احترقت تماماً في حي جب الجندلي بعد اقتحام الأمن و«الشبيحة» لها. وتعرضت مدينة الرستن في ريف حمص، الخارجة عن سيطرة النظام، لقصف عنيف استهدف المنازل. وتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل محتجين في الرستن جراء القصف.

 

اشتباكات وتظاهرات

وفي دمشق، وصلت الاشتباكات العسكرية بين المنشقين وقوات النظام إلى حي كفرسوسة الذي يضم المربع الأمني في العاصمة. وقال ناشطون: إن الجيش الحر اشتبك مع القوات الموالية في كفرسوسة بعد خروج تظاهرات حاشدة هاجمها «الشبيحة» بالرصاص.

وشهدت أحياء برزة وجوبر وركن الدين والقابون احتجاجات تحدّت الوجود الأمني المكثف. وتحدث المكتب الإعلامي للثورة في بيان عن وقوع انفجارات قوية في حي المزة، وإطلاق نار متفرق بالأسلحة الرشاشة. وأضاف أن «شباب الثورة قطعوا اوتوتستراد المزة عند مفرق الرازي، وطريق المصطفى، بالإطارات المشتعلة». وفي شريط مصور عن تظاهرة حي الميدان، بدأ مئات الأشخاص في مسجد زين العابدين في الميدان يرددون هتافات ضد الرئيس السوري ووالده الراحل وكذلك هتافات «الله محيي الجيش الحر». وأطلقت قوات النظام النار على تظاهرات حاشدة ضمت الآلاف في أحياء القدم والحجر الأسود وعسالي.

 

حراك حلب

أما في محافظة حلب، التي بدأت تتصاعد فيها منذ أسابيع وتيرة الاحتجاجات بعد ان كانت في منأى نسبياً عن هذا الحراك، فتواصل خروج التظاهرات الضخمة. وأطلقت القوى الأمنية قنابل مسيلة للدموع على المتظاهرين في حي المرجة، فرد هؤلاء برشقها بالحجارة، ومن ثم حصلت اشتباكات. واحصى الناشطون 18 نقطة تظاهر في المدينة. وسارت تظاهرات مماثلة في ريف حلب، في بلدات وقرى السفيرة وعندان ومارع وحريتان واعزاز التي تنتشر فيها القوات النظامية، بالإضافة الى مدينتي الباب ومنبج. وأوضح الحلبي أن التظاهرات «تخرج في اعزاز وتتفرق قبل وصول الجيش إليها».

وفي حماة، قتل محتجان إثر اطلاق نار من القوات النظامية في حي الأربعين في المدينة. وتعرضت بلدة قلعة المضيق في المحافظة لإطلاق نار من رشاشات ثقيلة وسقوط قذائف ما أدى إلى تهدم جزئي في بعض المنازل. وفي درعا، قتل أربعة عناصر منشقين في اشتباكات مع القوات النظامية في القرى الشرقية في المحافظة.