السيناريوهات المرسومة للمستقبل السوري تبدو مختلفة بعض الشيء، ولكنها متوائمة في المآلات والخلاصة بأن سوريا ما قبل 15 مارس 2011 لن تكون بأي حالٍ من الأحول نفسها ما بعد 15 مارس 2012، مع مرور عام على الثورة الأكثر استنزافاً من كافة النواحي والأطول بين زميلاتها في الربيع العربي.
النتيجة التي خرج بها السوريون خلال عام والتي ستطبع حيواتهم في المستقبل، هي أنه لم يعد من الممكن القبول بـ«تغول» القبضة الأمنية وإذلالها المتعمد لكل من يحاول رفع رأسه لينتقد الحكم ورموزه. الشرخ الكبير الذي أحدثه أسلوب التعامل مع المحتجين والاستهداف المقصود لمناطق معينة، وضع السوريين أمام الحقيقة الحرجة التي لطالما حاولوا الهروب منها إلى الأمام، بالقول إنه لا يوجد تفرقة أو انشقاق داخل مجتمعهم، حركته الثورة كما تحرك الحجارة الملقاة على مستنقع مياهه الراكدة.
خريطة الثورة
فبنظرة على مكونات المجتمع السوري، يتضح أن الثورة كانت في الأساس ثورة الأرياف المهمشة والفقيرة والمضطهدة على مدى أكثر من أربعة عقود. فالاحتقان كان واضحاً، بدءاً من ريف دمشق، الذي تحول إليه الدمشقيون هرباً من القادمين إلى العاصمة من الساحل، ومروراً بريف المناطق الداخلية الوسطى، مثل حمص وحماة، والتي شكلت بؤر توتر لمتاخمتها الساحل، وليس انتهاءً بسكان أحياء معينة في مدن الساحل، يشكلون أقلية هناك، عبر عنه سكان جميع تلك المناطق بانفجارهم في الشوارع عبر التظاهرات الأضخم.
وفي الشمال، اختلفت الآية في حلب وريفها، الذي يشتكي هو الآخر من تهميش فاقع، فيما ترفل المدينة بمليارات أغلبها شكل بعد وصول الرئيس الحالي إلى سدة الحكم، وما عناه ذلك من خشية البرجوازية من «انتقام» أهل الريف، رغم كرهها الشديد للنظام. أما في المناطق الشرقية، بعشائرها العربية والكردية، فهي لم تشعر في كثير من الأحيان بـ«الانتماء» إلى العاصمة التي أهملتها خدماتياً بشكلٍ مجحف، قبل أن تزيد موجة الجفاف الطين بلة.
ونجح النظام في الوقت ذاته بضرب الأقليات بعضها ببعض في أسوء الأحوال وتخويفها من المجهول القادم في أحسنها. وهكذا، وجد الأكراد أنفسهم مشغولين بصراعات داخلية بُعيد اغتيال السياسي مشعل تمو، فيما عاشت منطقة جبل العرب انقساماً بشأن الثورة، وصل إلى امتدادها، وتحول تدريجياً إلى مخاوف من اختيار الجبل كمركز طبخات أمنية وسياسية لمعالجة تداعيات المستقبل السوري.
أما المسيحيون، فآثروا في غالبيتهم الوقوف جانباً ومراقبة الوضع، في وقت شعروا بالحرج لتسمية النظام نفسه بـ«حامي الأقليات». وكان من اللافت أن رمت طائفة النظام بكامل ثقلهم وراء السلطة، حتى لم يعد يتبين من يستغل من ومن الذي يجير الآخر لمصلحته، فتحول الأمر تدريجياً في سوريا إلى صراع طائفي بين مذهب وآخر، وجفاء بين ديانة وأخرى، فضلاً عن توجس عرقي، ترجم في «نأي» الأكراد بأنفسهم عن المجلس الوطني بسبب ما اعتبروه «تدخلاً تركياً» في التخطيط لتحركاته، وهو ما يستجر الحديث عن تدخلات الأطراف الإقليمية والدولية دعماً لهذا الطرف أو ذاك بحسب ما تمليه «العقيدة».
سيناريوهات المستقبل
إذن، اختلطت الأوراق في سوريا، التي عايشت فترات متشابهة من العنف والعنف المضاد في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي بدون أن يأتي أحد على ذكر التقسيم. والسبب يكمن في أن تصعيد القمع هذه المرة كان ضخماً جداً واستهدف مناطق بحد ذاتها بهدف إثخان الجرح الطائفي، بالإضافة إلى أن الأزمة ليست إلا ثورة شعبية لأناس خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن آرائهم، وهذا ما لم يواجهه النظام السوري بتركيبته الحالية منذ تسلمه السلطة في انقلاب 23 فبراير 1966.
وعدا عن العامل الداخلي للتقسيم، الذي أججه مسار الثورة وتعامل النظام معها بما ينفي أي أمل لاستمرار التعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري، يأتي العامل الخارجي، المتمثل بزيادة حدة التدخلات الإقليمية والدولية في الشؤون السورية وتضارب المصالح بين الدول، ولا سيما تلك المؤثرة في الحدث.
