ليست سوريا قبل 15 مارس 2011 هي نفسها بعد هذا التاريخ.. سال دم كثير، وتحطمت تماثيل كثيرة وتمزقت صور كثيرة.. وتزعزعت مسلّمات كان الكثيرون يظنون أنها عصية على الاهتزاز والزعزعة.
سوريا قبل عام كانت تحلم بسلوك طريق ماليزيا أو الصين في التنمية، وتتبناها باحتضانها للمقاومات العربية، وتوزع شهادات الوطنية على هذا الطرف أو ذاك، وتعلن عن نفسها حالة خاصة، محمية من عواصف الربيع العربي، بسبب وطنية مواقفها، وقومية توجهاتها، عكس أنظمة تونس ومصر، التي هبت شعوبها لأنها كانت بحاجة إلى شعور قومي، وكرامة وطنية، حسب اعتقاد وتصريحات رأس السلطة.
كانت سوريا قبل عام منتشية بالانتصارات التي تحققت بعد عام 2008 عندما «عاد العرب إليها»، بعد اتهامات باغتيال رئيس وزراء بلد جار وصديق.. كان الموسم إذن موسم حصاد على جميع الأصعدة الداخلية والخارجية.. دول كبرى عادت عن مواقفها المتشنجة حيال النظام، وحتى الخصوم اللبنانيين من جماعة 14 آذار أتوا فرادى وعلى رأسهم ابن الشهيد.
أما الوضع الداخلي، فلا مشكلة، على السوريين أن ينتظروا أجيالاً لكي يتعلموا الديمقراطية، هكذا قال رأس السلطة في حديث لصحيفة أجنبية.
رسم صورة
والآن.. أي صورة يمكن للمرء أن يرسمها لهذا البلد الذي يمتد تاريخه الحضاري إلى 6 آلاف سنة.
قرى ومدن وأحياء يتم اجتياحها بالدبابات، ويفرض عليها حصار خانق، ويطلق الرصاص على كل ما يتحرك، وكذلك ما لا يتحرك، من قبيل خزانات المياه على الأسطحة.
جيش يفترض به أن يكون على خط النار مع عدو يغتصب قطعة من أرضه، ويشرد نصف مليون من مواطنيه في مخيمات وتجمعات تحيط بالعاصمة، يقوم هذا الجيش الوطني باقتحامها والتنكيل بأهلها، تماماً كما فعل جيش الاحتلال بهم قبل خمس وأربعين سنة.
قتلة يتجولون في الشوارع برفقة أجهزة أمن يفترض أن تعتقلهم، ولكنها تسير خلفهم وتعتقل من يقعون صرعى بين براثنهم.
أطفال تجز رقابهم ونساء يتعرضن للاغتصاب ثم القتل على يد أبناء الوطن، الذين لم يعودوا يميزون بين لون الدم و لون عصير العنب.
الامن والامان
طوال نصف قرن كان النظام يعيد ويكرر على أسماع السوريين الحديث عن نعمة الأمن والأمان، فكانوا يدوسون كراماتهم مقابل هذه النعمة، ولكي يبقى اسم الوطن عالياً ودرة في تاج المقاومة والممانعة، أما الآن فلا أحد يأمن من الموت برصاصة طائشة من قناص يشعر بالضجر والبرد فوق بناء حكومي.. ومع ذلك يشعر الكثير من السوريين بالكرامة رغم افتقادهم للأمن والأمان.
كان السوريون جزراً معزولة، أو قواقع متقوقعة على نفسها، تبحث عن خلاص ما في فسحة ضوء صغيرة، كان الجميع يشك في الجميع.. الحوراني كيان مستقل، والديري كذلك، والحلبي، والحموي، والشامي، والنازح، والكردي .. أما اليوم فالشعور اختلف، الجميع ينظر إلى الجميع بنظرة حب واحترام، نظرة تعاطف وتآزر لم يعرفها من قبل.
سوريا اليوم بلد شبه مدمر، واقتصاد منهار، بلد يفتقد الأمن والأمان، تسير أنهار الدماء في شوارعه، ويسمع في حاراته وبيوته المدمرة أنين الجرحى والمعذبين، ولكنه على الرغم من كل ذلك، يمتلئ كرامة وعزة وحلماً واحداً بمستقبل يكنس هذا الكابوس مهما كان الثمن باهظاً.