يواجه الفلسطينيون «عدوا مجهولا» يفرضه الاحتلال الاسرائيلي عليهم منذ سنوات طويلة، والذي لم يكتفِ فقط باعتقال الشبان والأطفال والشيوخ والنساء والشبان منهم، لكنه يستند إلى أوامر فردية يصدرها ضباط مخابراته، دون حسم قضائي، لاعتقالهم «إداريا» من دون محاكمات، مستندين إلى قوانين الانتداب البريطاني في فلسطين.
ويؤكد وزير الأسرى والمحررين عيسى قراقع لـ«البيان» أن «الاعتقال الإداري نوع من أنواع الانتقام، والقانون لا يتطلب من الاحتلال أي جهد لإقناع المحكمة باتخاذ الأمر بالسجن لأي مواطن فلسطيني، وهذا الاعتقال الإداري يسمى العدو المجهول، كون الاسير لا يستطيع ان يدافع عن نفسه، وأي انسان يمكن ان يعتقل تحت شعار الخطر الأمني».
ويضيف إن «الاحتلال اصدر 100 ألف أمر اعتقال إداري بحق مواطنين فلسطينيين منذ بداية الاحتلال العام 1967، من بينها 20 الف حكم منذ بداية الانتفاضة الاولى العام 1987، ولا يزال حتى الان 330 اسيرا في السجون الإسرائيلية بعضهم منذ سنوات، مثل الأسير احمد نبهان المعتقل اداريا منذ اربعة اعوام دون محاكمة».
ويؤكد قراقع ان «الاسرى حاليا في وضع يكاد ينفجر، وقوات القمع تدخل لقمع المعتقلين بكل ما أوتيت من جبروت، وازداد الأمر سوءا بعد إعلان الأسرى خوض إضراب يمكن ان يصل الى العصيان المدني، وقد بدأ الأسرى في خمسة سجون الإضراب وإعادة وجبات الطعام»، ما يثير حفيظة وقلق إدارة سجون الاحتلال.
تدويل القضية
بعثت منظمة التحرير الفلسطينية مؤخرا رسائل وجهتها للمجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة، جاء فيها أن «الاعتقال الإداري الذي شرعته إسرائيل عبارة عن اعتقال تعسفي غير قانوني يتناقض مع أبسط المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وهو إجراء يتنافى بشكل واضح مع القيود الصارمة التي وضعها القانون الدولي بخصوصه، ويستهدف بالأساس النخب السياسية والاجتماعية من رجالات السياسة والمثقفين والأكاديميين، وأعضاء المجلس التشريعي، علاوة على النساء والأطفال القاصرين».
ويشير بيان المنظمة إلى أن سلطات الاحتلال تستند إلى أوامر إدارية فردية يصدرها ضباط جهاز الاستخبارات الإسرائيلية دون حسم قضائي، معتمدة على قوانين الانتداب البريطاني، الذي ألغته بريطانيا قبل خروجها من فلسطين.
وتضيف المنظمة في رسائلها إن «إسرائيل تطبق أوامر الاعتقال الإداري كجزء من السياسات والقوانين المجحفة بحق أسرانا، وفي إطار سياسة العقاب الجماعي التي تمارسها تجاه الشعب الفلسطيني».
رواية مضللة
من جانبه، يرى رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس أن «إسرائيل لا تلتزم بأي اتفاقية دولية، ولا تعترف بنفاذ اتفاقيات جنيف المتعلقة بالأسرى». ويطالب فارس بالتصدي للرواية الإسرائيلية المضللة التي «تصور ان الأسير الفلسطيني يعيش في سجن خمسة نجوم» .ويقول: «الآن أصبح يوجد رسائل من المجتمع الدولي تطالب إسرائيل باحترام القانون الدولي، ولكنها غير كافية والمجتمع الدولي ملام، لأنه لم يصدر مواقف حقيقية وجدية تجاه ما يتعرض له الأسرى على يد الاحتلال».
ويوضح فارس ان الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية اعتبرت يوم الأسير يوم عربي، والاتحاد الدولي طالب إسرائيل باحترام القانون الإنساني، وان على القيادة الفلسطينية مسؤولية ان الشرح للعالم ماذا تفعل إسرائيل بالأسرى الفلسطينيين، كما هو مطلوب محليا الكثير من الجهد والعمل لحمايتهم وإيصال صوتهم الى كل مكان .
4 انتصارات
وفيما الاحتلال يحكم قبضته على الأسرى، انتصر الأسير الشيخ خضر عدنان، الذي ذاع صيت قضيته عربيا ودوليا، وانتصر بعزيمته في معركته الفردية وإضرابه المفتوح عن الطعام لـ66 يوما متواصلة على إرادة سجّانه.
ويعتبر الانتصار الكبير الذي حققه الشيخ عدنان في انتزاعه قرارًا بإلزام سلطات الاحتلال بالإفراج عنه في 17 أبريل المقبل، واحدًا من أربعة إضرابات عن الطعام خاضها الشيخ خضر عدنان في مسيرة عطائه، وأدت جميعها إلى الإفراج عنه وتحقيق مطالبه.
وكشف رئيس الوحدة القانونية في نادي الاسير الفلسطيني جواد بولس ان الاسير عدنان فك اضرابه المفتوح عن الطعام بناء على الاتفاق الذي ابرمه شخصيا كمحام منتدب من نادي الاسير وممثلا للاسير خضر مع النيابة العامة في اسرائيل، الذي نص على ان تلتزم بالافراج عن خضر عدنان بعد انتهاء فترة محكومتيه، اضافة لموافقتها على احتساب فترة الاعتقال الإداري والتحقيق وعدم تجديد اعتقاله إداريا لفترة إضافية.
15 ألف أسيرة
وتقول الأسيرة هناء الشلبي، 30 عاما، التي تخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام، : «اعتبر نفسي اعتقلت ظلما وتم الاعتداء على كرامتي اثناء الاعتقال».
وهناء، تعتبر واحدة من 15 ألف أسيرة فلسطينية تم اعتقالهن منذ العام 1967، وهي لا زالت تواصل معركة الإرادة بأمعائها الخاوية «انتصاراً لكرامتها، وانتفاضاً في وجه قوانين الاحتلال العنصرية وسياساته التعسفية، وفي مقدمتها الاعتقالُ الإداري»، وهي مصرةٌ على الاستمرار في إضرابها المفتوح عن الطعام حتى يفرج عنها؛ على الرغم من تراجع حالتها الصحية وانخفاض وزنها ووضوح التعب والإرهاق على جسمها.
وبحسب المحامي محمود حسان، فإن قوات خاصة تعرف باسم «النحشون»، قامت بتكبيل يدي وقدمي الأسيرة الشلبي أثناء توجهها إلى المحكمة أثناء جلسات المحاكمات، فيما حاولت إحدى المجندات تفتيشها تفتيشاً عارياً أمام الأسيرات وطاقم المجندات، إلا أنها رفضت ذلك بشدة، لتقوم بتفتيشها في الحمام وتهديدها بأنها سوف تعاقب على هذا الرفض.
الاسرى المرضى
ويعاني الأسرى في سجون الاحتلال من أمراض مزمنة وخطيرة، فيما حذرت اوساط فلسطينية من ارتفاع نسبة الأمراض الخبيثة بين صفوفهم بسبب الاهمال الطبي المتعمد.
ويؤكد مدير مركز الدفاع عن الحريات مقرر الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى حلمي الاعرج ان 800 اسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية حاليا يعانون من الأمراض، بينهم 140 حالة مرضية صعبة ومن ضمنهم 11 اسيرا مصابا بمرض عضال، و8 مقعدين، وهناك عدد من الاسرى يعاني من الفشل الكلوي.
ويقول الأعرج إن «أوضاع الأسرى صعبة نتيجة الإهمال الطبي الذي تمارسه إدارة السجون»، مضيفا ان «ادارة السجون هي المسؤولة عن تفاقم وضع الاسرى المرضى، وحياة الاسير لا تتناسب مع الحياة البشرية المطلوب توفرها وفق الشروط الإنسانية».
ويشير الاعرج الى ان الاسرى يتعرضون للقمع والذل والضرب والقهر اليومي والرش بالغاز، كما ان مصلحة السجون تشوش على اتصالات بهدف عزلهم عن محيطهم الخارجي.
ويطالب الاعرج المؤسسات الحقوقية والرسمية التركيز على ملف الاسرى المرضى حتى يتم الافراج عنهم، او ان يتحمل الاحتلال المسؤولية عن حياتهم .
ويؤكد وجود «تقصير رسمي» في ملف الاسرى، بالقول إن «السلطة تنظر الى من امضى خمسة اعوام فما فوق، ومن امضى اقل من ذلك لا ينظر اليه»، عازيا ذلك الى ضعف الامكانيات، وغياب دعم ملف الاسرى من قبل العالم العربي والاسلامي نتيجة «عدم رغبة البعض بإغضاب اسرائيل».
ويعتبر الاعرج ان «العمل السابق في نصرة ملف الاسرى كان موسميا»، لكنه يدعو الى توحيد الجهود الرسمية والشعبية للخروج بنتائج افضل، مؤكدا اقدام سلطات الاحتلال على اعادة اعتقال 12 من الاسرى الذين تم الافراج عنهم في صفقة تبادل الاسرى الاخيرة التي عرفت باسم «صفقة شاليط»، مؤكدا ان إسرائيل نقضت الاتفاق بعدم ملاحقة الاسرى المحررين.
تدخل دولي
ويطالب الباحث المختص في شؤون الأسرى رياض الأشقر بتدخل عربي ودولي لدعم صمود الأسرى، والتخفيف من معاناتهم المتفاقمة.
ويقول الأشقر لـ«البيان»: «آن الأوان للعرب بأن يكون لهم موقف قوي وجرئ تجاه الأسرى في سجون الاحتلال وما يتعرضون له من جرائم على ايدى الاحتلال، وعدم الاكتفاء بالتصريحات والشجب فقط، وتطبيق التوصيات التي تمخضت عن اجتماع مجلس الجامعة العربية، على مستوى المندوبين الدائمين في القاهرة في نوفمبر 2009، والتي أوصت في حينه بتكليف المجموعة العربية في نيويورك بدراسة تقديم طلب للجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار قرار بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية في لاهاي، حول الوضع القانوني للأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، باعتبارهم أسرى حرب، ولهم الحق المشروع في مقاومة الاحتلال».
كما يطالب الاشقر بعثات الجامعة العربية في الخارج بتكثيف حملاتها السياسية والإعلامية للتعريف بقضية الأسرى والمطالبة بإطلاق سراحهم وتخفيف معاناتهم، إضافة إلى العمل على عقد اجتماع للدول الموقعة على اتفاقية جنيف، وعقد لبحث رفض الاحتلال تطبيق هذه الاتفاقيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكل التوصيات لم تر النور.
