عاد المشهد اليمني الى مربع الأزمة السياسية التي كانت سائدة قبل انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيسا جديدا للبلاد في 21 فبراير الماضي بسبب إصرار الرئيس السابق علي عبد الله صالح على ممارسة العمل السياسي وبقاء ابنائه وأقاربه الذين يهيمنون على قوات الجيش والأمن وأجهزة المخابرات في مواقعهم، وأيضاً عبر تصريحاته النارية بوصف الثورة الشبابية بثورة «البلاطجة» ضارباً بعرض الحائط بكل الاتفاقيات المتصلة بآلية تنفيذ المبادرة الخليجية.
ولما كانت الاطراف السياسية والشعبية ومعها الدول الراعية لاتفاقية التسوية التي تم بموجبها خرج صالح من الحكم تتوقع أن تشهد البلاد انفراجة سياسية كبيرة وأن يتم الشروع في إعادة بناء أجهزة الجيش والأمن على أسس وطنية، فإن صالح رفض مغادرة البلاد بعد أن حصل على حصانة من أي ملاحقة قضائية، وعاد ليمارس دور الوصي على الرئيس الجديد من خلال حزب «المؤتمر الشعبي» الذي يرأسه.
تصريحات نارية
صالح الذي تسبب في إعادة الأزمة الى واجهة المشهد السياسي من خلال سعيه لإدارة أجهزة الدولة عن طريق نصف الوزراء الذين يمثلون حزبه في حكومة «الوفاق الوطني» ومن خلال ابنائه واقاربه الذين يسيطرون على أهم وحدات الجيش والامن وأجهزة المخابرات، غادر أخيراً مربع العمل تحت غطاء الحزب وخرج الى العلن مهاجما الثورة الشبابية ووصفها بثورة «البلاطجة» والتخلف، وتوعد بفضح ما قال إنها «خفايا ثورات الربيع العربي». وانقلب على كل التفاهمات التي كانت قد تمت مع الجانب الأميركي ودول الخليج بأن يغيب عن المشهد السياسي الى حين إنجاز الفترة الانتقالية.
ومع حسم تكتل اللقاء المشترك الغطاء السياسي للثورة الشبابية لخياراته وتأكيده على أنه لن يذهب الى مؤتمر الحوار الوطني الا بعد انهاء سيطرة أقارب صالح على قوات الجيش والامن، ورفض هؤلاء لهذا الشرط وشيوع أخبار متواترة عن تمسك الاميركيين بطلب تأجيل هيكلة الجيش وقوات الأمن والمخابرات الى ما بعد انتهاء الفترة الانتقالية، برزت مؤشرات تدل على أن الرئيس الجديد بات محاصرا بين مطالب الثورة الشبابية ومن ساندوا انتخابه من قوى المعارضة، وبين نفوذ سلفه وأقاربه في كل مفاصل الدولة.
فرقاء المشهد
ولأن المشهد السياسي اليمني بات اليوم أكثر تعقيدا بعد أن تصدرته العمليات النوعية والمتواصلة لتنظيم القاعدة، واستمرار رفض القوى السياسية في الجنوب المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الا على قاعدة القبول بانفصال الجنوب عن الشمال، وانتقال المتمردين الحوثيين الى مرحلة رفض المشاركة في المؤتمر الوطني للحوار بسبب رعاية الولايات المتحدة الاميركية له، كل هذه العوامل جعلت أسباب الخلاف أكثر حضورا وقوة من نقاط الاتفاق التي برزت ملامحها أثناء الحملة الانتخابية للرئيس الجديد.
وإذا عجزت الدول الراعية للمبادرة الخليجية عن إخراج صالح من العملية السياسية واجباره على مغادرة البلاد بصفة مؤقتة وسحب الولايات المتحدة اعتراضها على البدء بهيكلة قوات الجيش، فإن خيارات المواجهة بين قوات الجيش التي انضمت للمعارضة وتلك القوات الخاضعة لسيطرة الرئيس السابق تظل هي الارجح، كما أن اتفاق التسوية السياسية قد ينهار لأن تكتل اللقاء المشترك سيجد حينها أنه لا مبر لبقائه على رأس حكومة الوفاق الوطني، كما أن الرئيس المنتخب سيكون أضعف الأطراف.