احتضنته وهو ينزف.. ولفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعيها، كان وجهها آخر ما رأته عيناه، قبل أن يودعها بثلاث كلمات: «سامحيني يا أمي».. تلك كانت آخر لحظة قضاها الشهيد رأفت ابوجواد ابوعيدة، الذي اغتالته طائرات الاحتلال الاسرائيلي في عدوانها المستعر والمتواصل على قطاع غزة منذ أربعة ايام.
وفي صباح الأمس، كانت والدة أبوعيدة تنظر اليه من نافذة غرفتها لتودعه كأي ام فلسطينية بدموعها، راجية من الله أن يعود إليها سالما، قبل أن تغتاله صواريخ في بلدة القرارة جنوب قطاع غزة.
رأفت ابوعيدة، مقاوم من سرايا القدس، الذراع المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، كان عاد للتو من جولة طويلة قضاها في محاولة للرد على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر. يسترق رأفت لحظات يدخل خلالها غرفة امه ويبادرها بابتسامة هادئة، قائلا: «صباح الخير يا أمي.. أين والدي لألقي عليه التحية قبل أن أغادر؟». ثم يغادر رأفت بيته، فيما تجتاح صدر والدته امواج قلق، دفعتها الى متابعة خطوات ولدها خارج البيت، مدثرة إياه بالدعاء والتضرع إلى الله ليحميه من الاحتلال وملاحقته لأولئك المجاهدين في سبيل الوطن وحريته.
خمسون مترا فقط يبتعد فيها الشهيد رأفت عن بيت عائلته، قبل ان تقصفه طائرات الاحتلال والام لا زالت تنظر اليه عبر نافذتها لتكون اول من يصل اليه بعد استهدافه.
تضمه الى صدرها وهو ينزف وتبكي وتناديه «حبيبي يا ولدي.. يا رأفت لا تمت»، تغرق معه في دمائه، ورائحته الزكية تعبق المكان، يبتسم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، مودعا والدته التي قضى نحبه بين ذراعيها، متمتما لها بكلماته الأخيرة: «سامحيني يا امي»، لتصرخ الأم وتلتحم معه وتضمه الى صدرها لدقائق معدودة، ثم تحاول حمل ابنها والسير به عدة امتار في محاولة يائسة منها لإنقاذ حياته.
هي حكاية من حكايات شهداء فلسطين الكثيرة والمتكررة، أمهات يودعن أبناءهن كل صباح، وقلوبهن يحاصرها القلق على أرواحهم، التي يستهدفها الاحتلال في كل لحظة وكل زمان ومكان.
