بعد تبريد الملف النووي الإيراني وإحالته إلى طاولة المفاوضات، عاد التسخين الأميركي بحدّة وبسرعة إلى الملف السوري، لكن هذه المرة من زاوية بلورة السيناريوهات العملية المحتملة المطروحة في واشنطن والأمم المتحدة، والتي تبدو متكاملة مع بعضها، وفي ذلك نقلة نوعية في التعاطي مع الأزمة.

فما عدا خياري التدخل العسكري المباشر والقيام بعمليات استخباراتية داخل سوريا، فإن «كل الأوراق على الطاولة»، بحسب المسؤولين الأميركيين. ويشمل ذلك مظلة واسعة من التوجهات، بدءا من العمل على بناء تحالف دولي وانتهاء بالمساعدة على إقامة جبهة معارضة متناغمة، مروراً بخيار الممر الآمن أو المنطقة العازلة، التي تؤدي في النهاية إلى التسليح.

الدفع باتجاه تفعيل هذه الخيارات، بلغ ذروته أول من أمس في جلسة لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ مع وزير الدفاع ليون بانيتا ورئيس هيئة الأركان الجنرال مارتن ديمبسي.

ودخول الكونغرس على الخط واكبته مطالبات ودعوات سياسية وإعلامية متزايدة بضرورة قيام الإدارة بـ«عمل حازم»، إزاء دمشق، أو في أقله أخذ المبادرة لترجمة الخطوات المتاحة، ذلك أنه «من دون أن تنهض واشنطن بمثل هذا الدور القيادي فلن يتحقق الإجماع الدولي المطلوب» لمواجهة النظام السوري، بحسب ما جاء في أحد النداءات الموجهة إلى البيت الأبيض.

 

قراءة مشوشة

والواضح من أجوبة بانيتا وديمبسي، وقبلهما قائد القوات الأميركية في المنطقة الدولية الوسطى الجنرال جيمس ماتّس، أن قراءات واشنطن، بما فيها الكونغرس، لوقائع المشهد السوري مشوشة. وتبعاً لذلك، تتعامل مع الوضع بحذر إن لم يكن بارتباك.

ويتندر المراقبون بالتذبذب الرسمي في هذا المجال. فمرّة يقولون بأن رحيل النظام السوري باتت مسألة وقت، وضمناً هذا يعني وقتا قصيرا، ومرة أخرى يرون وبالتحديد العسكريون منهم بأن النظام «عزز مواقعه» الميدانية مؤخراً ويبدو متشبثاً بـ«البقاء المفتوح»، كما يقول المدير العام لهيئة رؤساء الوكالات الاستخباراتية الـ 16 جيمس كلابر.

وأدى التباين في التقدير إلى الارتباك الذي أوجزه بانيتا أمام اللجنة بقوله: «ليس هناك أجوبة سهلة». وكان يرد على سؤال حول ما كشفت عنه مصادر عسكرية من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان سبق وطلب من «البنتاغون» إعداد خطة على سبيل التحوّط لعمل عسكري في سوريا. وقد جرى وضعها.

والمعروف أن مثل هذا الإجراء يتم اتخاذه بشأن أي أزمة في العالم من باب التحسب للطوارئ.

 

حلقات متصلة

وفي ضوء ذلك، يجري التركيز أكثر من أي وقت مضى على جملة حلقات متصلة، تبدأ في الأمم المتحدة وتنتهي على الأرض في سوريا أو على أمل أن تنتهي هناك. بعد غد الاثنين تلتقي وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون نظيرها الروسي سيرغي لافروف في نيويورك للبحث معه في مسودة قرار دولي جديد، قيل إنه أخف من السابق بحيث يمكنه تجنب «فيتو» موسكو. ومن المتوقع أن يبدأ مجلس الأمن مناقشة المشروع الثلاثاء المقبل، بحسب مصدر في الخارجية الأميركية.

وفي المقابل، يجري العمل على توحيد ما أمكن من أطراف المعارضة، ويصل عددها إلى المئة، بحسب بانيتا، على غرار ما جرى في ليبيا، كما قالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في ردها على سؤال خلال لقائها مع الصحافة برفقة رئيس الحكومة الليبية عبد الرحيم الكيب.

ورافقت ذلك معلومات جرى تسريبها حول «تهريب أموال سورية بالملايين إلى الخارج ترصدها واشنطن، لكن ليس واضحاً ما إذا كان أصحاب هذه المبالغ لجؤوا إلى التحويل الخارجي تخوفاً من المجهول، أم لأن بطانة النظام بدأت بالانفراط من حوله».

وتعترف الإدارة الأميركي أن محاولة حشد تحالف دولي قد لا تثمر. كما قد لا تؤدي مداولات مجلس الأمن إلى صدور قرار. وحتى لمّ شمل المعارضة، لا يخلو من موانع وصعوبات. المراهنة، بحسب بعض التلميحات، تدور حول توسع دائرة الانشقاقات العسكرية والمدنية السياسية. انضمام معاون وزير النفط إلى المعارضة، أعطى جرعة لمثل هذه المراهنة التي يقول أحد المطلعين بأنها لو صحّت على المستوى العسكري لـ«بات موضوع الشريط العازل واقعاً على الأرض وبسرعة».