لم يشعل محمد البوعزيزي النار في جسده فقط،، بل أوقد ناراً أيضاً في 90 مليون مغاربي يحلمون باتحاد المغرب العربي الذي هالته أتربة الخلافات حيناً وأجندة القادة المتباينة أحايين.

ويعود حلم الاتحاد بين دول المغرب العربي الى عقود عدة حينما وقف العاهل المغربي الملك الراحل الحسن الثاني إلى جانب الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد والرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، إلى جانب الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، في 17 من فبراير من العام 1989 في قمة تاريخية أعلنت ميلاد الاتحاد.

وأظهر القادة يومها تسامياً فوق ركام الخلافات والأجندة الخفية منها وغير الخفية، إذ ظهر ضوء في نهاية النفق المظلم وبصيص أمل لشعوب المنطقة، التي عاشت حلم الوحدة المؤجل منذ إعلان مراكش في العام 1958 بفعل حالة اللامبالاة التي كان يتعامل بها القادة.

 

واقعٌ جديد

وكانت تونس الشرارة التي انطلق منها الربيع العربي والتي امتدت شرقاً إلى الجارة ليبيا، فبدلت الحال وبات واقعاً مغايراً وربيعاً بدأت معه سريان الروح في أوصال الاتحاد المغاربي. زيارات متبادلة بعد عقود من القطيعة، وحراك عبر عنه الرئيس التونسي المنصف المرزوقي بعد جولة مغاربية قادته إلى المغرب والجزائر خلال فبراير الماضي، عائداً بوعود لا كسابقاتها من قادة البلدين بحضور القمة المغاربية القادمة التي من المنتظر أن تستضيفها بلاده بعد دخولها العهد الجديد، في محاولة على ما يبدو لتحقيق أحلام الوحدة السياسية والاقتصادية والتنموية، وإيجاد مخارج من دوامة وضع القادة المغاربة أنفسهم فيها.

 

اعادة الحلم

وأعاد الربيع العربي الحق في الحلم بذكرى إعلان الاتحاد المغاربي الــ23 ، وأضحت أماني توحيد بلدانه أولوية ربما تصل إلى حدود تسميتها بالحلم شبه المعاش، إذ يطمح المشروع إلى تشجيع حرية التنقل للأفراد والبضائع، ورفع جميع الحواجز الجمركية والإدارية، وصولاً إلى وحدة سياسية واقتصادية، تعتبر أكثر من حيوية لفضاء جغرافي ممتد من شواطئ مراكش إلى أقصى الحدود الليبية الشرقية، تجمع بين شعوبه قطعاً اللغة الواحدة كأهم متطلبات التوحّد والدين كجامع لأوصال الهوية، فضلاً عن عادات وتقاليد لا يمسها الاختلاف إلا في حدود غير ذات تأثير، إذ تتوزع العائلة الواحدة بين بلدان المنطقة المتعددة، منذ هجرات حضرموت وفينيقيا ثمّ الهجرات العربية منذ النصف الأول من القرن الأول للإسلام الذي فتح شمال إفريقيا والأندلس.

 

موت إكلينيكي

ويرى يقول الأستاذ الجامعي والمتخصص في الشؤون المغاربية عبد الرحمن مبتول في تصريحات لـ«البيان» إن الاتحاد «دخل منذ العام 1994 حالة موت إكلينيكي 1994»، مشدداً في الوقت ذاته إلى حالة الوهن التي يعيشها الاتحاد لن تتبدل إلا حال وضع القادة المغاربة خلافاتهم ونظرتهم غير المستبصرة للمستقبل جانباً، ومضيفا أن «قادة الشعوب المغاربية قطعت مسافات شاسعة في سبيل تحقيق حلم الوحدة على خلاف القادة السياسيين في البلدان الخمسة».

وأوضح مبتول أن «آمال حوالي 90 مليون مغاربي معلقة على الربيع العربي الذي دفع الجزائر والمغرب إلى إفساح المجال أمام إصلاحات جريئة، فضلا عن الدماء الجديدة التي وصلت إلى الحكم في كل من تونس وليبيا، للمضي بمسار الاتحاد الى محطته الأخيرة في زمن التكتلات والتجمعات الإقليمية المتعاظمة على الضفة الأخرى من المتوسط أو في مناطق أخرى من هذا العالم.»

ويعتقد مبتول أن «التحدي الأكبر الذي يواجه الاتحاد بعد مرور 23 عاماً على إطلاقه يتمثل في كيفية الاستجابة لطموحات الشباب الذين يمثلون 60 في المئة من سكان المغرب العربي، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بما فيها تحديات التشغيل والتعليم والصحة، وحل مسائل الهجرة ومسائل التكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد، والتي أدارت ظهرها لبعضها بعضاً اقتصادياً بشكل شبه كامل منذ العام 1994، بعد أن أولت وجهها شطر الاتحاد الأوروبي ، عبر اتفاقات شراكة تم التفاوض بشأنها بشكل منفرد في مواجهة تكتل أوروبي متماسك بمواقف موحدة وأهداف استراتيجية متفق عليها بالإجماع في بروكسل من قبل العائلة الأوروبية التي أصبحت تضم 27 دولة».

 

الاقتصاد والوحدة

من جهته، يقول رئيس كونفدرالية أرباب العمل في الجزائر بوعلام مراكش إن «أقصر السبل لإقامة البناء المغاربي يمر عبر بوابة الاقتصاد»، مضيفا في تصريحات لـ«البيان» أن «التبادلات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي لا تتعدى ثلاثة في المئة سنويا، وتعتبر الأضعف بين بلدان أي تكتل موجود في العالم بسبب الخلافات السياسية، والتوجه عير السليم للسياسات الاقتصادية المنتهجة من دول المنطقة ،على الرغم من وجود فرص كبيرة للتكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد في العديد من القطاعات، أهمها الطاقة والزراعة والنسيج والصناعات الغذائية والصيد البحري، وتربية الماشية والنقل والخدمات على أمل تعزيز المؤسسات السياسية في المرحلة الثانية على غرار التجربة الأوروبية.

ويؤكد مراكش أن «التقارب الاقتصادي يسمح بزيادة الناتج الخام لدول الاتحاد بمعدل ثلاثة في المئة سنويا، إذ بلغ ناتج البلدان الخمسة مجتمعة في العام الماضي حوالي 420 مليار دولار حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، أي ما يعادل 34 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للوطن العربي تقريبا». واضاف أن الناتج المحلي للجزائر يصل ما نسبته 43 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد، في وقت لا يتعدى نصيب موريتانيا 1.3 في المئة، ويصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الاتحاد المغاربي إلى 4865 دولاراً في المتوسط.