من يتابع ملامح السياسة التونسية الحالية سرعان ما يلاحظ وجود رغبة واضحة من قبل رئيس الحكومة حمادي الجبالي في الإسراع بتحقيق المصالحة الوطنية وتطييب الخواطر وتقريب المسافات بين التونسيين بغض النظر عن ميولهم السياسية والحزبية وانتماءاتهم السابقة.. إذ يبدو ذلك واضحاً في السماح بالسفر لعدد كبير من رجال الاعمال بعد منعهم بتهمة تمويل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقاً او الارتباط بالنظام السابق. وأثار قرار منع رجال الأعمال من السفر جدلا واسعا في تونس نظير ما تسبب فيه من تراجع في مستوى مبادرات الاستثمار المحلي وإغلاق بعض المؤسسات الاقتصادية والتجارية، وانكماش المستثمرين التونسيين وانكفائهم على أنفسهم خشية التعرض للمضايقات من قبل بعض الأطراف الجديدة التي بدأت تسود البلاد تحت مسميات مختلفة.
الجبالي يتفقد
وفي بادرة لافتة للانتباه قام الجبالي يرافقه وزير حقوق الانسان والعدالة الانتقالية سمير ديلو بزيارة إلى ثكنة الجيش الوطني في ضاحية العوينة، حيث يوجد عدد من مسؤولي النظام السابق وأصهار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي رهن الإيقاف، ومن بينهم رئيس مجلس المستشارين في فترة ما قبل ثورة 14 يناير وزير الداخلية الأسبق عبدالله القلال، ومدير الديوان الرئاسي السابق عبدالعزيز بن ضياء، ووزير الخارجية الاسبق عبدالوهاب عبدالله، والأمين العام للحزب الحاكم سابقا محمد الغرياني وغيرهم. وتحدث الجبالي مع المسؤولين السابقين فردا فردا وسألهم عن ظروف اقامتهم وعن احتياجاتهم داخل غرف الإيقاف خصوصا وان عددا منهم يعاني من امراض مزمنة ومن أمراض الشيخوخة، حيث ان منهم من تجاوز الثمانين من العمر.
توصية
وأوصى الجبالي بتوفير جميع المستلزمات الصحية للموقوفين و تمكينهم من الحاجيات الضرورية والإنسانية ، على ان يتم التعجيل بعرض ملفاتهم على المحاكم للنظر فيها ، خصوصا و ان بعض الموقوفين تجاوز الثمانين من عمره ، ولم تثبت ضدهم اية اتهامات جدية تتعلق بالفساد.
وتتخذ زيارة رئيس الحكومة الى غرف ايقاف مسؤولي نظام بن علي جانباً إنسانيا إلى جانب تعبيرها الواضح عن ميل فريق من الحكومة ومن داخل حركة النهضة يقوده الجبالي الى المبادرة بقيادة مشروع للمصالحة الوطنية بعيدا عن تصفية الحسابات السياسية ، خصوصا وان مصادر حكومية اكدت أن عددا كبيرا من المسؤولين السابقين لم يتورطوا في الفساد ولا في قمع الثورة ، وان النظام الحالي لم يقطع مع الماضي وإنما هو يقود حركة تصحيحية مع الاحتفاظ بالجوانب الايجابية للمرحلة السابقة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والثقافية.