في سابقة هي الأولى من نوعها منذ فترة طويلة نسبياً،تلجأ جماعة الإخوان المسلمين إلى استخدام «لغة خشنة» في الحديث عن المجلس العسكري الذي يدير شؤون مصر، على خلفية أزمة سفر المتهمين الأميركيين في قضية تمويل منظمات المجتمع المدني المصرية، ما يشير إلى وجود توتر في العلاقة بين الطرفين، يرجَح تصاعده في الفترة المقبلة، لاسيما مع بدء معركة تشكيل اللجنة التأسيسية التي سيعهد إليها كتابة الدستور الجديد للبلاد.
ولم تمض ساعات قليلة على سفر المتهمين الأميركيين، حتى أعلن الناطق الرسمي للجماعة د. محمود غزلان أن «التحول المفاجئ من المواقف العنترية التي صرح بها أفراد من المجلس العسكري ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي فايزة أبوالنجا، ورئيس الوزراء الذي قال إن مصر لن تركع.. إلى الخضوع المهين لضغوط الولايات المتحدة الأميركية أمر يمرغ كرامة المصريين في الوحل، ويقطع بأن هؤلاء جميعاً لا يشعرون بأن ثورة مجيدة قد قامت في مصر»، مشيراً إلى أنهم «لا يصلحون لإدارة البلاد لإقامة نظام جديد يقوم على الحرية والسيادة والكرامة للشعب».
وأضاف غزلان أن «السماح للمتهمين بالسفر مقابل كفالة مالية وترحيلهم على متن طائرة عسكرية أميركية نزلت في مطار القاهرة من دون إذن، مقابل غرامة مالية أمر ينبئ بأن المسؤولين المصريين يقايضون الكرامة الوطنية التي لا تقدَّر بأموال الدنيا بثمن بخس».
تحول واضح
وما يلفت النظر في هذا البيان، تلك اللغة الخشنة التي اعتمدها الناطق باسم جماعة «الإخوان المسلمين»، والتي تدل على وجود تحول واضح في موقف الجماعة من المجلس العسكري، وهو ما يمكن تفسيره بأكثر من سبب، أهمها أن الجماعة لجأت إلى هذه اللغة غير المدرجة في قاموس تعاملها مع «العسكر» منذ تنحي نظام الرئيس السابق حسني مبارك، من أجل «تبرئة» ساحتها، وغسل يدها من قضية سفر المتهمين الأميركيين، خصوصاً أن السيناتور الأميركي البارز جون ماكين، قدم «الشكر للجماعة لدورها في تسهيل سفر الأميركيين الـ16 المتهمين في القضية»، وهو ما وضع الجماعة في حرج بالغ، ودفعها إلى نفي أية علاقة لها بالقضية، ثم وجهت سهام النقد العنيف للمجلس العسكري، حتى تثبت للجميع أنها لاتزال تقف في خندق القضايا الوطنية، ولم تدفعها السلطة إلى تقديم تنازلات للولايات المتحدة.
إحراج كبير
سبب آخر يفسر لغة الجماعة الخشنة مع المجلس العسكري، هو تعمد الأخير إحراج «الإخوان المسلمين» برفضه فكرة إقالة حكومة الجنزوري، وإسناد تشكيل الحكومة الجديدة للأغلبية البرلمانية التي يستحوذ عليها «الإخوان»، ما ضاعف من إحراج الجماعة التي ترى أن الشعب يطالبها بتحمل مسؤولية إخراج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية.
ورجح مراقبون ومحللون أن يتزايد هذا التوتر في الفترة المقبلة، لاسيما أنها ستكون الأخطر في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، حيث ستشهد كتابة دستور جديد، ستحاول كل قوة في مصر العمل على توجيهه قدر الإمكان من أجل دعم وتقوية مواقعها، وتسخيره للحفاظ على مصالحها قدر الإمكان.
وأضافوا أن المعركة الأكبر التي ستشعل التوتر بين الجماعة و«العسكر»، هي عدم نجاحهما في الاتفاق على مرشح «توافقي»، الأمر الذي يمكن أن يكون «بداية الطلاق السياسي البائن بين الطرفين»، خصوصاً أن الجيش لن يقبل بأن تسيطر الجماعة على جميع مفاصل السلطة في النظام الجديد الذي سيكتمل بانتخاب رئيس مصر في مايو المقبل.