خلفت «الحرب الأهلية» التي عصفت بالجزائر لأكثر من ثمانية أعوام قرابة 200 ألف قتيل وخسائر بـ40 مليار دولار وأكثر من مليون مهجر، بعيد إلغاء انتخابات يناير 1992 التي فاز فيها الإسلاميون. تركة بهذا الثقل، دفعت المجتمع الجزائري الى التريث والانتظار قبل الإقدام على أية مغامرة بالتعويل على الحل السلمي.
ويقول عالم الاجتماع الجزائري ناصر جابي إن «المجتمع الجزائري لم يتأخر عن الربيع العربي الذي تمكن من إسقاط اربعة رؤساء عرب، لكن الآلام التي تكبدها المجتمع شكلت جراحا عميقة»، مشيرا إلى أن الربيع الجزائري انطلق في اكتوبر 1989 عندما خرج الشباب الجزائري للمطالبة بالتغيير قبل أن تتم مجابهتهم برصاص الشرطة والجيش وسقط 550 قتيلا في صفوف المتظاهرين الشباب، قبل موافقة الرئيس الجزائري الاسبق الشاذلي بن جديد، على إصدار دستور يسمح بالتعددية السياسية وإنشاء الأحزاب في فبراير 1989.
ويعتقد جابي إن من الأسباب الأخرى التي دفعت الشعب الجزائري الى البحث عن التغيير بطرق أخرى، «حالة الإفلاس التي تصيب الطبقة السياسية المشاركة بشكل أو بأخر في الأزمة المتعددة الأبعاد التي تعيشها الجزائر»، مضيفا أن «الشعب الجزائر أصبح قليل الإيمان بالوعود التي تطلق في هذا السياق بين الحين والأخر، بمن فيها الوعود التي تطلقها السلطة في ظل غياب واضح لقادة رأي بإمكانهم تحريك الجماهير».
عقد الثقة
واستطرد جابي إن انهيار جدار الثقة الذي يعيشه المجتمع «تسبب في فشل التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية التي حاولت في 2011 تنظيم مسيرات بالعاصمة الجزائر وبعض الولايات محاولة توحيد جميع التنظيمات من ديمقراطيين وإسلاميين وعلمانيين وقوميين حول مطلب التغيير وكسر حاجز الصمت والخوف».
ويشير الى ان الامر الثاني الذي تسبب في منع وصول «الربيع العربي» الى الجزائر يكمن بالأساس في نوعية الجهات والشخصيات التي وقفت وراء «التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية» والتي تتمثل في حزب «التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية» بقيادة سعيد سعدي.
وهو حزب امازيغي ساهم في الدعوة إلى قمع الإسلاميين طيلة اعوام التسعينات وساهم في تكوين ميليشيات مسلحة ما أدى إلى تكوين جبهة رافضة لكل مطلب للتغيير يأتي من هذا الحزب الذي دعم السلطة في صراعها مع الحركة الإسلامية التي تتمتع بقاعدة شعبية واسعة في الجزائر.
تحذير بالقمع
من جهته، أوضح المحامي والناشط الحقوقي مصطفى بوشاشي أن «القمع الذي يمارسه النظام ضد كل من يريد التعبير عن إرادة التغيير تارة واغلاق وسائل الإعلام الثقيلة في وجه المعارضة، أظهرت المجتمع الجزائري وكأنه في سبات عميق».
وقال بوشاشي إن «سد منافذ التغيير السلمي والتعبير الديمقراطي الحر أمام الشعب وخاصة بمناسبة الانتخابات التشريعية التي ستجري في 10 مايو القادم، ستكون له عواقب وخيمة على الاستقرار الهش الذي تعيشه البلاد والذي سيصبح قاعدة لأي حراك شعبي يعمل على إحداث تغيير ما».