لم تكد الطائرة العسكرية الأميركية تقلع من مطار القاهرة حاملة على متنها 16 متهماً أميركياً في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني المصرية بعد قرار رفع حظر السفر عنهم، حتى هبت عواصف سياسية غاضبة على حكومة رئيس الوزراء كمال الجنزوري، إلى درجة وصلت حد المطالبة بإقالتها على الفور، وسط تجديد جماعة الإخوان المسلمين، صاحبة الأغلبية البرلمانية، عرضها تشكيل حكومة ائتلافية تواجه التحديات الماثلة.
ولعل سفر المتهمين الأميركيين بعد دفعهم كفالة تقدر بخمسة ملايين دولار، تحول إلى صدمة وإحباط لجميع القوى السياسية المصرية، لاسيما أن السلطات في الدولة، تعاملت مع القضية منذ البداية باعتبارها قضية وطنية وأن مصر «تواجه ضغوط الولايات المتحدة بتحد كبير وعدم استسلام مهما كانت الظروف» ، إلى درجة أن الجنزوري نفسه وقف أمام نواب البرلمان المصري معلنا على الملأ أن مصر «لن تركع وأنها مصممة على السير في طريق وقف نشاط هذه المؤسسات غير القانونية.
سهام النقد
لكن القوى السياسية، وعندما فوجئت بهذا التحول في موقف الدولة الرسمي وإجبارها القاضي المختص النظر في القضية على التنحي وإسنادها إلى جهة أخرى، أصدرت قرارها بشكل فوري برفع حظر سفرهم، وجهت سهام النقد تجاه حكومة الجنزوري.
إذ أعلن النائب في البرلمان محمد عبد العليم داود عن تقدمه باستجواب للجنزوري ووزير العدل في حكومته بشأن ما وصفها «جريمة» رفع الحظر عن سفر الأميركيين المتهمين في قضية التمويل الأجنبي واستمرار الحكومة في صمتها وعدم اتخاذها إجراءات حاسمة، مطالباً بسرعة إدراج الاستجواب في أقرب جلسة ممكنة، «نظراً لخطورة القضية وتهديدها للأمن واستقرار الوطن»، مستنكراً ما وصفها بـ«استمرار جريمة» الحكومات ممثلة في الصمت وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه الموقف.
أما النائب البرلماني عصام سلطان، فتقدم ببلاغ إلى النائب العام المستشار عبد المجيد محمود لفتح تحقيق عاجل للوصول إلى صاحب قرار رفع أسماء المتهمين في قضية التمويلات الأجنبية من على قوائم المنع بالسفر بالمخالفة للقانون، وبانتهاك واضح لسيادة واستقلال القضاء المصري .
استقلال القضاء
ولم تقتصر سهام النقد على الجنزوري فحسب، إذ حاولت قوى سياسية توريط المجلس العسكري في الأمر، على اعتبار أنه السلطة الحاكمة في مصر. فقد استنكرت حركة 6 أبريل في بيان «التدخل الفج في السلطة القضائية»، مطالبة بالتحقيق في واقعة التأثير على القضاة في قضية «التمويل الأجنبي»، ومتسائلة في الوقت نفسه: «كيف تكون هناك مزاعم بأن القضاء المصري مستقل ونجد تدخلا فجا وأوامر كيف يقوم المجلس العسكري بمجاملة حلفائه ويسعى للتأثير على قضية التمويل الأجنبي، ولماذا بعد الثورة وحتى الآن ورغم وجود مجلس الشعب لم يتم إقرار قانون استقلال السلطة القضائية؟».