بعد سنوات عاشها محط سمع وأنظار العالم خصوصاً واشنطن بالعراق فوق الثماني سنوات، تراجع الاهتمام الأميركي بالعراق وشؤونه، إذ لا تظهر صورته إلا عابراً ومن زاوية التفجيرات التي تنتظم أنحاؤه،إذ تحتل ملفات أخرى قلب المشهد في ظل اشتعال الأوضاع في سوريا والتأزم مع مصر والتوتر مع إيران، على الاهتمامات الأميركية، الخاصة في الشرق الأوسط. من جهة أخرى بدا من خطاب الإدارة الأميركية وخطوتها الأخيرة بتقليص حجم الوجود الدبلوماسي والأمني الذي بقي بعد الانسحاب، وكأن هناك عملية نفض يد أميركية من أزمة من العراق.

لكن تسارع التدهور الأمني مؤخراً واستمرار تفاقم الأزمة السياسية، أعاد العراق إلى دائرة الضوء. فما يتردّد الآن في واشنطن بشأن المنحى الذي تتخذه الأوضاع في العراق، لا يثير القلق فقط بل يدقّ ناقوس الخطر أيضاً، وكأن في بغداد حالة لاغتنام فرصة الانشغال الأميركي بحالات الغليان في المنطقة، من أجل ترسيخ معادلة لاستئناف التفجير والاقتتال الأهلي والانتهاء بالتفكيك.

وتشير التقارير إلى أوضاع تزداد «سواداً»، في ضوء ما يجري على مختلف المحاور ، خصوصاً على صعيد «تعاظم صلاحيات السلطة التنفيذية وتقليص دور البرلمان في المقابل وإضعاف قدراته لمساءلة الحكومة» على حد قول الخبير جاسن غلوك من «مؤسسة الولايات المتحدة للسلام» والذي سبق وعمل في العراق، إذ إن هذا التمركز المعطوف على مراوحة الأزمة السياسية التي فجرتها مذكرة التوقيف بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي، بلغ حدّ تجدّد الحديث عن «التقسيم» الذي عادت معه نغمة «الحرب الأهلية» إلى مفردات التداول.

ولا يقل خطورة عن مثل هذا النزوع، ما تنقله تقارير ميدانية أميركية عن جنوح الوضع العراقي نحو «ديكتاتورية شرسة»، إذ تتوالى الأنباء عن «تزايد الاعتقالات وعمليات التعذيب وفقدان الشفافية لدى السلطة القضائية».

ووسط حالة التردي وانسداد الأفق السياسي، يجيء قرار إدارة أوباما خفض جيوش الدبلوماسيين والأمنيين والتقنيين الأميركيين في العراق إلى النصف طارحاً أكثر من استفهام، إذ بررت الخارجية الأميركية الأمر أن «تقليص النفقات في ضوء عجز الموازنة هو الذي اضطرها لذلك»، لتذهب أيضاً إلى أن «المطلوب من خلال الوجود في العراق يمكن تحقيقه بعدد أقل».

 

تخفيض

ومع أن السفارة الأميركية في بغداد تعد الأكبر في العالم، والتي تقرر حجم طاقمها منذ سنوات الاحتلال، إلا أنه وفجأة وبعد أقل من شهرين على الانسحاب الأخير، ترى واشنطن أن «الحجم مبالغ فيه ولا حاجة له»، ودون سابق إنذار أيضاً يتحدث مسؤولون سابقون عن «عدم قدرة الولايات المتحدة على ممارسة أي تأثير في العراق»، علماً ان القناعة التي أشاعتها الإدارة الأميركية عشية سحب قواتها من العراق كانت تفيد بأن نفوذ واشنطن باق بعد الانسحاب ولو بدرجة أخف، لأنها تحتفظ بأوراق كثيرة وقوية للتأثير على السياسات والتوجهات في العراق، منها التسليح والتدريب والمساعدات التقنية والإدارية والفنية وغيرها كله غاب في الآونة الأخيرة.

وثمة من يربط أيضاً بين اندفاع الوضع العراقي في هذا الاتجاه وبين زيارة المالكي أواخر العام الماضي إلى واشنطن، ليبدأ بعدها مباشرة مسلسل التأزيم السياسي.