بعد قرابة عام انتشرت فيه رائحة الموت من حوله، لايستطيع الفتى السوري مأمون أن يزيح فكرة الموت عن رأسه، فهو يترقبه بين لحظة وأخرى.
في مقبرة بسيطة ببلدة القصير حيث يعيش، يشير مأمون إلى حفرة حديثة في الأرض ويقول وقد كست وجهه ابتسامة لم يستطع دفع العصبية عنها: «هذا قبري.. سأضع عليه لوحاً خشبياً حتى لايأخذه غيري. كلي ثقة بأنني سأكون الشهيد التالي، لذا أريد أن أبقيه لنفسي».
إن الخوف الذي يلازم سكان الأحياء التي تقاوم حكم نظام الرئيس بشار الاسد، ترك أثره في نفوسهم. وحمص التي تبعد حوالي 30 كيلومترا شمال القصير، تمثل هذا الرمز. في المساء يفتح مأمون حاسوبه الشخصي وينظر إلى صور المصابين في إحدى العيادات المؤقتة بينما التف رجال ونساء حول جسد ميت يحيطه أطفال ببكائهم وصراخهم. بطاريات حاسوبه المحمول على وشك أن تنفد والتيار الكهربي مقطوع، غير أن وصلات الإنترنت محجوبة على أي حال، لذا لن يتمكن مأمون من بث الصور لمؤيدي الاحتجاجات في سوريا.
وصارت أنات المعاناة واليأس التي يصدرها حاسوب مأمون إيقاعا يوميا في حياة الشاب خلال الأشهر العشرة الماضية.
القائمة السوداء
وسجل أعضاء أسرة مأمون في القائمة السوداء للنظام. واعتاد هو فكرة أن اجله اقترب وصار يعمد إلى اختيار أقصر الطرق إلى منزله عندما يكون في الجوار رغم يقينه أن هناك قناصين فوق أسطح المنازل.
ويقول مأمون وهو يسير ببطء كما لو كان يستفز القناصة ليطلقوا رصاصاتهم عليه: «سئمت السير في طرقات ملتفة». اعتاد السوريون التعايش مع العنف ورائحة الموت منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد منتصف مارس الماضي. واصبح تحاشي القنابل ورصاص القناصة روتينا يوميا للكثيرين.