رجال أمن يترجلون من سيارة عسكرية في درعا ويتبعهم ثلاثة معتقلين شبه عراة ومربوطي الأيدي بينما يجر عنصر أمن أحد المعتقلين بحبل طويل من خلف يديه المقيدتين وينهال عليه بالضرب أسوة بالبقيّة. المشهد السابق هو وصف سريع لما تضمنه «تسجيل مصور مسرّب» يظهر تعذيب المتظاهرين في المعتقل.

وأثيرت أسئلة كثيرة منذ بداية الثورة بشأن الفيديوهات التي يتم تسريبها من الأمن أنفسهم إلى المتظاهرين. البعض رجّح فرضية أن بعضها يقع في يد المعارضين بالصدفة، والبعض الآخر بالغ حينما قال إن بعض الشرفاء من الأمن يضعونها في تصرف الثوار، فيما بقي قسم آخر مقتنعاً أن التسريب متعمد ومدروس يهدف إلى إدخال الرهبة إلى قلوب المتظاهرين وطريقة قروسطية لإعادة الهيبة المنهارة لرجل الأمن. والفرضية الأخيرة هي أكثر رواجاً رغم وجود قرائن تطعن فيها. فإذا كان التسريب موظّفاً، إلا أن الرواية الرسمية تتعرض لضربة كبيرة بفعل هذه المشاهد، خاصة وأنها تلقى رواجاً وتترك صدمة نفسية للمتلقي وتحرج الموالين. والقول بأن النظام يدفع الثورة إلى التسلّح من خلال إذلال المتظاهرين المعتقلين بات يفتقر إلى الاقناعية بعد أن اكتسب «الجيش السوري الحر» شرعية ضمنية دولياً وأصبح أمراً واقعاً ضمن الوظيفة المعلنة له وهو حماية المتظاهرين.

شهادة معتقل

ويقول علاء، وهو طالب جامعي ناشط وأحد المعتقلين الذين أفرج عنهم: «رجل الأمن ينسى طيلة الفترة التي يمارس فيها التعذيب أن هناك رجلاً يتعرض للتعذيب أمامه. إنه ينساه تماماً ويفكّر بالذين لم يعتقلهم بعد». إن شرح هذا المشهد قد يحتاج إلى إعادة توضيحه لارتباطه بالوضع النفسي غير السوي لمن يمارس التعذيب. فالمعتقل هو صورة لكل من هم في الخارج، فينسى رجل الأمن في لحظة ما أن الرجل المربوط بالحبل لديه طفلة ستصبح يتيمة في حال قتل والدها المعتقل، أو أن المسن الذي تعرض للاغتصاب أمام حفيده، وهو ما اكده تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش»، قد يفضّل الموت على بقائه حياً. هذه التفاصيل تغيب في «الكل المتظاهر» الذي يرتسم أمام رجل الأمن. ويقول علاء إن الأحاديث التي كانوا يسمعونها من السجانين هي مزيج من خرافات التاريخ وتحريفات من الحاضر. ففي جلسة تحقيق أعقبت «حفلة التعذيب»، قال المحقق:«أنتم تريدون إعادتنا إلى زمن العثمانيين». ويعلّق صهيب: «لم أفهم ما الذي كان يقصده وما علاقة ذلك بمطلبنا في الحرية. هناك منظومة من المقولات التاريخية لاتزال حية في نفوس أركان النظام ويرون أنها تعود من خلال التظاهرات». ويضيف: «يريدون قتل مساحة التسامح في نفوس المتظاهرين.. يدفعوننا إلى التفكير بعقلية طائفية».

وظيفة التسريبات

وإذا لم يكن الهدف من مشاهد التعذيب هو مجرد إرهاب الداخل المعارض، فإنه يدخل ضمن الصياغات الدرامية لربط الموالين للنظام بالمؤسسة الأمنية الحاكمة، وهذه المشاهد تقطع الطريق على إمكانية انشقاقهم الذي يزداد صعوبة وقبولاً من المعارضين بالتوازي مع ازدياد مشاهد الاذلال التي يمارسها موالون للنظام تحت هاجس القضاء على «الكل» من خلال «الفرد». إضافة إلى ذلك، فإن سقوط النظام في نظر المشرفين على عمليات التعذيب المباشرة يدفعهم إلى ضمان بيئة اجتماعية محلّية تؤمن لهم نوعاً من الحماية في مرحلة ما بعد النظام ، وهذه البيئة لا يتم تأمينها إلا من خلال توريط حاضنتهم الاجتماعية في الانتهاكات الوحشية.

الحلفاء الاقليميون

لحلفاء النظام الاقليميين وعلى رأسهم حزب الله هدف آخر مهم جداً لتسريبات النظام عن التعذيب الوحشي. فحزب الله، الذي يحرص بشدة على صورته الاعلامية «النقية»، يصبح تلقائياً موضع اتهام. وإذ أنه ذاته لم يظهر أي قدر من المحاولة في نأي نفسه حتى لفظياً عن هذه الممارسات، فإنه سيبقى أهم حليف لفلول النظام بعد سقوطه.