واقعٌ جديد أفرزه «الربيع العربي»، أدخل بعض الدول العربية في مأزق بكيفية التعاطي مع الواقع الجديد. إذ لم تكن علاقات الأردن الخارجية ملتبسة أكثر منها اليوم، على الرغم من طبيعتها المعتدلة نوعاً ما، وهو أمر مكنها من إدارة شبكة الأزمات الراهنة في هدوء.
لكن الربيع العربي ليس الملف الوحيد الذي يشغل بال الدبلوماسية الأردنية، إذ تشكل أزمة الجارة سوريا بما أفرزته من تشابكات وتعقيدات مشكلة تلقي بظلالها على صناعة القرار الأردني، فضلاً عن ملف قديم متجدد يتمثل في القضية الفلسطينية.
ويرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن «الخارجية الأردنية تجد اليوم نفسها في وضع مربك، فلا هي تعلم ما هي المعالجات المطلوبة في سياستها الخارجية في حال صمد النظام السوري في موقعه، كما لا تعلم ما القادم من الأزمات في حال اقتلع نظام دمشق». ويردف: «تجد الوزارة نفسها محاطة بنيران متعددة في دائرتها حيث هناك مصالح عميقة مع سوريا، أمنية وتجارية وسياسية واقتصادية واجتماعية وحدودية، كما تحاط الخارجية الأردنية بروابط وضوابط في علاقتها مع تكتلات تُملي عليها اتخاذ مواقف صعبة».
ويمضي الرنتاوي في القول: «ما تفعله الدبلوماسية الأردنية أنها تركز اليوم على الاستثناء الأردني، أي نحن معكم لكن سيبقى سفير الأردن في سوريا، رغم عدم رضاها عن العنف هناك. ويردف: «توافق السياسة الخارجية على قرارات الجامعة العربية لكنها تريد ان تستثنى منها»، مضيفاً أن الأردن «لم يدخل بعد في رحلة استكشافية حقيقية للبحث عن بدائل للنظام السوري عبر طريق التيارات المعارضة له، وهو لا يزال ينتظر مستقبل سوريا بعين الشك وعدم اليقين».
ويشير الرنتاوي إلى أن «بقاء النظام السوري سيمثل مشكلة للأدرن، كما سيكون مشكلة حال رحيله، فالسؤال الذي تطرحه الدبلوماسية يدور حول البديل الاسلامي المنتظر للنظام». ويردف أن «حكم بديل إسلامي دمشق سيفرز مشكلة داخلية للأردن لأن سياسته سيكون عليها الإجابة عن سؤال في اليوم التالي لتسلم الاسلاميين سلطة سورية وهو: ماذا عن إسلاميينا؟»، مشيراً إلى أن الأردن «ينظر إلى أن عصراً إسلامياً قد بدأ في مصر وتونس والمغرب والجزائر كما هو متوقع»، وأن «عليه تعريف الواقع الجديد بغية التمكن من التعامل معه».
القضية المحورية
ويتمثل الملف الآخر على طاولة الدبلوماسية الأردنية في القضية الفلسطينية. وعملية السلام ملفٌ ستبقى الدبلوماسية مشتبكة معه بوصفه تهديداً، لاسيما مع تراجع فرص التقدم وتضاؤل فرص قيام دولة فلسطينية يصفها الأردن بالــ«مصلحة الوطنية العليا».
ويعتقد الأردنيون أن «اتفاق الدولة الفلسطينية، التي تكاد تكون غير منتظرة اليوم، يجب أن يأتي تتويجا لعملية سلمية شاملة، لكن المشكلة في أن الجميع بات يدرك ان هذه الفرص في تضاؤل مستمر».
وتبرز تساؤلات بشأن افتراض: «ماذا لو سقط خط الدفاع؟».. «كيف ستدافع الدبلوماسية الأردنية عن المصلحة العليا الأردنية في مواجهة اليمين الاسرائيلي، الذي يزيد تطرفا، والمجتمع الذي يزداد انزياحا في اتجاه اليمين واليمين المتطرف، ما يجعل العملية السلمية وفكرة الدولتين في مهب الريح؟».
ولا يرى الرنتاوي أن «الطاولة الأردنية تحتوي أي خطة بديلة»، مشيراً إلى ان «الدبلوماسية الأردنية مبنية على أساس أن بديل الخطة الأولى هو المفاوضات نفسها، مثلما عند بعض الفلسطينيين ان البديل عن المفاوضات العبثية مزيد من المفاوضات العبثية».
ويحفظ الرنتاوي للدبلوماسة الأردنية نجاحها في تفادي الضغوط الدولية عليها للإصلاح، عبر فتحها لمسار كان تكتيكيا لاستئناف المفاوضات، مضيفاً أن «هذا الفعل كان له أثره المهم، إذ أصبح ينظر للأردن على انه رصيد لعملية السلام وليس كدولة لم تحدث الإصلاح».